28‏/4‏/2010

الخروج من الشرنقة ..



 
تمكن فريق أبحاث في جامعة (ويلمور) الكندية من التوصل لاكتشاف مذهل في خواص أعضاء الجسم البشري ، فبعد تجارب طويلة استغرقت العامين تقريباً أثبتوا الفوائد العظمى لاستخدام اليد اليمنى في الحياة اليومية (وبالذات الأنشطة الحيوية الغذائية كالأكل والشرب) ..
وشرحوا باستفاضة الآثار السلبية المترتبة على استخدام اليد اليسرى والتي تصل لدرجات خطيرة ومميتة في بعض الأحيان !
فعندما يستخدم الإنسان يده اليسرى في تناول الطعام ، فأنه يضغط بدرجة مؤثرة على البطين الأيسر لعضلة القلب ، بينما تتزايد نسبة الخطورة بأثر رجعي مع الوقت وتؤثر بشكل مباشر على وظائف القلب فيما بعد مسببة أضرار خطيرة جداً لا يمكن علاجها إلا بزرع قلب صناعي .
أيضاً تؤثر هذه العادة بشكل بالغ في المجاري الهضمية وخاصة عند البلعوم الذي لا يكون في وضعه الصحيح عند ميل الرأس إلى الجانب الأيسر .. 19% من الأشخاص معرضون لخطر الاختناق الناتج من التهاب كلي ما بين المجرى البلعومي والمريء ..
أيضاً هناك خطر الإصابة بالهبوط الحاد في الدورة الدموية ..
أما أخطر الأعراض هي : تزايد معدل الإصابة بـ (متلازمة رونستيجفيلد) المميتة والتي لا توجد لها أعراض ثابتة في كل مرة ، وإن تشابهت في درجة الألم الشنيع .
أما الأضرار التي واجهت فريق البحث عند إجراء التجارب على اليد اليمنى فكانت معدومة تقريباً .. إذ أن اليد اليمنى بعيداً تماماً عن أي مسببات الخطر لكل الأعضاء الحيوية الهامة في جسم الإنسان .. كما أنهم اكتشفوا مقدرة التواصل ما بين اليد اليمنى والإشارات الحسية والعصبية والكهربائية الصادرة من المخ .. فاليد اليمنى قادرة على استقبال أوامر حركية من المخ تبلغ دقتها ¼ ملليمتر .. بينما لا تتجاوز اليد اليسرى نسبة ½3 ملليمتر .. والفرق بين النسبتين يوضح الترابط القوي ما بين المخ واليد اليمنى ..
لذلك يستخدم الإنسان يده اليمنى لتغطية أعضاءه الحيوية أكثر من اليسرى كإجراء وقائي غريزي لصد الخطر !
لذلك ينصح القائمون على البحث – بشدة – من الإكثار في الاستخدام اليد اليمنى عوضاً عن اليسرى في أغلب الأنشطة اليومية ..

 
* * * * *

 
أعرف ما الذي يدور في رأسك ..
توقف من فضلك ..
لا تدع الكلام السابق يلتحم مع أشقائه في خلايا عقلك ..
أطرده بقوة ..
فكل ما جاء في الفقرة الأولى كان محض هراء مني لا أكثر ..
فلا توجد جامعة في كندا اسمها (ويلمور) .. بل هو تحريف مشاغب لاسمي أنا: (وائل عمر) !!

وإن سولت لك نفسك على تصديق ما سبق ولو للحظة ، فأنت مجرد ساذج آخر ذو نوايا عقلانية منقادة .. تقودك أذنيك وعينيك .. أما الذي يقودهما فهو أفواه كبيرة استطاعت استشفاف قدرات عقلك وتحجيمه وسجنه ، ثم أسروه بين أسوار شفتيهم .. ثم حكموا على أمثالك بأن يصيروا مجرد (صدى صوت) لكلماتهم السخيفة !
الغريب أنك أنت وقرنائك عبارة عن جيش عرمرم لا يستهان به متحفز لأقصى درجة لمحاربة ظلال هلامية تكونت في الغسق .. وفي نفس الوقت ينتابك أحاسيس عظمى بأنك محارب قوي العريكة ومؤمن تماماً بما تفعله ..
والأغرب أنك قد تضحك إلى درجة (القهقهة) عند قراءتك لملحمة الأسباني العظيم (ميجيل دي سيرفانتس) والمتمثلة في البطل (دون كيخوت) الذي هم بمحاربة طواحين الهواء ظنا منه أنه العدو الغاشم ، ,وأنه يدافع عن القيم السامية للحب والعدالة !!
طواحين الهواء هنا قد تكون وهم على شاكلة (متلازمة رونستيجفيلد) السابق ذكرها في الفقرة الأولى !! وعلى الرغم من سخافة الاسم عوضاً عن نطقه .. إلا أن البعض سيصدقه ويهرع للتحذير منه عبر البريد الالكتروني لكل أصدقاءه ..
أما السبب الأساسي فهو :
إظهار الفوائد العظمى لاستخدام اليد اليمنى في الأكل والشرب (!!!!!2)× !!


 

* * * * *

 

قديماً كان هناك نوع متواضع من الطواحين إياها أنتشر في فترة الثمانينيات .. وكان عبارة عن ورقة يلقيها الحظ أمامك تقول :

وصية الرسول عليه السلام في منام الشيخ أحمد حامل مفاتيح حرم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أقسم أن الرسالة استقبلتها اليوم فأرجوا أن تقرؤوها كاملة وتعلموا ما بها ... هذه الوصية من المدينة المنورة من الشيخ أحمد إلى المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها وإليكم الوصية يقول الشيخ أحمد : أنه كان في ليلة يقرأ فيها القرآن الكريم وهو في حرم المدينة الشريف ... وفي تلك الليلة غلبني النعاس ورأيت في منامي الرسول الكريم و أتى إليًّ وقال:- إنه قد مات في هذا الأسبوع 40 ألف على غير إيمانهم وأنهم ماتوا ميتة الجاهلية و أن النساء لا يطعن أزواجهنَّ ويظهرنَّ أمام الرجال بزينتهم من غير ستر ولا حجاب وعاريات الجسد ويخرجن من بيوتهن من غير علم أزواجهن ... وأن الأغنياء من الناس لا يؤدون الزكاة ولا يحجون إلى بيت الله الحرام ولا يساعدون الفقراء ولا ينهون عن المنكر وقال الرسول (ص): أبلغ الناس أن يوم القيامة قريب وقريباً ستظهر في السماء نجمة واضحة ... وتقترب الشمس من رؤوسكم قاب قوسين أو أدنى وبعد ذلك لا يقبل الله التوبة من أحد وستقفل أبواب السماء ... ويرفع القرآن من الأرض إلى السماء . ويقول الشيخ أحمد أنه قد قال له الرسول الكريم (ص) في منامه : أنه إذا قام أحد الناس بنشر هذه الوصية بين المسلمين فإنه سيحظى بشفاعتي يوم القيامة ويحصل على الخير الكثير والرزق الوفير ..... ومن اطلع عليها ولم يعطها اهتماماً بمعنى أن يقوم بتمزيقها أو إلقائها أو تجاهلها فقد أثم إثماً كبيراً ..... ومن اطلع عليها ولم ينشرها فإنه يرمى من رحمة الله يوم القيامة . ولهذا طلب مني المصطفى عليه الصلاة والسلام في المنام أن أبلغ أحد المسئولين من خدم الحرم الشريف أن القيامة قريبة فاستغفروا الله وتوبوا إليه. وحلمت يوم الاثنين أنه من قام بنشرها بثلاثين ورقة من هذه الوصية بين المسلمين فإن الله يزيل عنه الهم والغم ويوسع عليه رزقه ويحل له مشاكله ويرزقه خلال 40 يوماً تقريباً . وقد علمت أن:- احدهم قام بنشرها بثلاثين ورقة رزقه الله (( 25 ألفاً من المال)). كما قام شخص آخر بنشرها فرزقه الله تعالى 96 ألفاً من المال وأخبرت أن شخصاً كذًّب الوصية ففقد ولده في نفس اليوم ... وهذه معلومة لا شك فيها فآمنوا بالله واعملوا صالحاً حتى يوفقنا الله في آمالنا ويصلح لنا شأننا في الدنيا والآخرة ويرحمنا برحمته ... قال تعالى:' فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون '. الأعراف قال تعالى:' لهم البشرى في الدنيا والآخرة' يونس قال تعالى:' ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء '. إبراهيم علماً أن الأمر ليس لعباً ولهواً ... أن ترسل هذه الوصية بعد 96 ساعة من قراءتك لها... وسبق أن وصلت هذه الوصية أحد رجال الأعمال فوزعها فوراً ومن ثم جاء له خبر نجاح صفقته التجارية بتسعين ألف زيادة عما كان يتوقعه. كما وصلت أحد الأطباء فأهملها فلقي مصرعه في حادث سيارة فأصبح جثة هامدة تحدث عنها الجميع. وأغفلها أحد المقاولين فتوفى أبنه الكبير في بلد عربي شقيق . يرجى إرسال 25 نسخة منها ... وبشر المرسل بما يحصل له في اليوم الرابع وحيث أن الوصية مهمة للطواف حول العالم كله . فيجب إرسال نسخة متطابقة إلى أحد أصدقائك بعد أيام ستفاجئ بما سبق ذكره . فآمنوا بالله.
كنت أنا من البلهاء الذين صادفتهم هذه الورقة ، وكابدت العناء في كتابتها بخطي الشنيع خمس وعشرون مرة بالتمام والكمال !! فمن هو الأحمق الذي يقدر على مقاومة البركات المنتظرة ومجابهة اللعنات المتوعدة ؟!
لم أفكر وقتها .. فقط امتثلت وفعلت ..

وكتبت ووزعت ..

ثم انتظرت .. وانتظرت ..

وعلى عكس ما توقعت: لم يحدث شيء !!

بعدها بعدة سنوات جاءتني هذه الورقة مرة أخرى !! فتجاهلتها تماماً .. بل ألقيتها كما هي في أقرب (صفيحة زبالة) .. فلم يحدث شيء في المرة الأولى !! ولن يحدث في الثانية أيضاً .. هكذا أيقنت في مراهقتي .
ربما كان الشيخ أحمد ثقيل السمع في منامه ، فلم يسمع التعليمات جيداً !!

 
* * * * *

 
(أقسمت عليك بالعزيز الجبار أن ترسلها لكل الموجودين عندك ... الخ) ..

كلمة السر التي تحولك في لحظة إلى ببغاء دعائي في عصر الثورة الرقمية والاتصالاتية الحديثة ..
ستجدها مذيلة في آخر رسالة بعينها في بريدك الالكتروني تتكلم عن معجزة خزعبلية مهندمة ملفوفة برداء ديني أنيق ..
مزمار لاستعداء (دون كخيوت) المعاصر – الذي هو أنت – لأن يمتطي (الماوس) الخاص به ويذهب معه في مهمة الكترونية جديدة من أجل نشر أسس العدالة والحب المعدلة !!
الضحايا هنا كثيرون .. وطواحين الهواء جاءت بصورة مقدسة ..
ولكن ..
عندما يسخر منا المجتمع الدولي كتعليق عما يصدر منا بحكم غرابته بالنسبة إليهم ، فأننا نضيفهم إلى قائمة الطواحين الواجب علينا محاربتها .. ويصبح كل فرد فيهم عبارة عن (ذراع طاحونة) تحركها رياح الفساد ..
نحن نحارب رد الفعل .. ولا نستطيع مجابهة الرياح نفسها !!
ربما لأننا لا نتوغل جيداً في طبائع الرياح .. بل راقبنا في غضب ما تفعله الرياح ..
وعندما قالوا بأن :
« رفرفة جناح فراشة رقيقة في اليابان قد تساهم في إعصار عاتي في أمريكا .. »
كان رد فعلنا هو أننا شمرنا عن سواعدنا ، وأبرزنا أنيابنا .. ثم ذبحنا هذه الفراشة .. وصلبناها من أجنحتها .. ومثلنا بما تبقى منها لكي لا تحدث الإعصار المنتظر .. ووقفنا أمامها نضحك في شماتة .. وعلى ووجهنا علامات الانتصار .. أما في عقولنا فتكمن أسمى آيات الاقتدار ..
الفراشة هنا كانت ترمز إلى الفكرة ..
أي فكرة من حقها تولد في عقولنا .. وتتشرنق قليلاً في خلايا أمخاخنا الرمادية .. ثم تمر بطور البلوغ .. ثم تطير بعدها إلى خارج جماجمنا عن طريق ألسنتنا أو أصابعنا أو بأي طريقة أخرى ..
ولكن ..
نحن قوم لا نعشق الفراشات ..
ونحن من بنى للأفكار سجون ..
ونحن من أودع عقولنا رهينة عند الكهنة والدجالين ..
ونحن من سالت عند أقدام أجدادنا دماء الحرية ..
نحن العرب ..
وكفى به نعتاً .

 
* * * * *

 
منذ فترة قريبة جاءني إيميل يقول :
( الدعاء الذي يخاف منه الشيطان )
فقمت بفتحه على مضض لعلي أفلح بالخروج منه بفائدة عظمى في حياتي الشخصية .. من يدري ؟!
وكان المحتوى كالتالي :

اللهم انك سلطت علينا عدوا عليما بعيوبنا - يرانا هو وقبيلة من حيث لانراهم اللهم أيسه منا كما آيستـه من رحمتك وقنطه منا كما قنطـته من عـفوك - وباعــد بيننا وبينه كما باعـدت بينه وبين رحمتك وجنتك بسم الله الرحمن الرحيم لا اله الا الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم .

ملاحظة : اذا كان نشرها سيرهقك فلا تنشرها فلن تستحق اخذ ثوابها لأن ثوابها عظيم

 
بعد الانتهاء من القراءة نظرت إلى شاشة حاسوبي بعدم فهم .. وقمت – لا إرادياً – بحك خصيتي اليمنى بحركة عضدت عدم قدرتي على فهم طلاسم ما قرأت !!
فقمت بالقراءة مرة أخرى بتأني لعلي أفلح في فهم الغرض مما سبق !!
وقد خرجت بالآتي :


  • اللهم انك سلطت علينا عدوا عليما بعيوبنا (لا أعلم كيف ومتى حدث ذلك !!)



  • يرانا هو وقبيلة من حيث لا نراهم .. (قبيلة ؟! أي قبيلة ؟! هل المقصود هو: "قبيله" أي قوم من طرف الشيطان ؟! وكيف يرونا من حيث لا نراهم ؟! هل يراقبونا من ركن الشمال الجنوبي مثلاً ؟!)


  • اللهم أيسه منا كما آيستـه من رحمتك وقنطه منا كما قنطـته من عـفوك .. (أيسه ؟! لم أسمع مطلقاً عن الفعل الثلاثي "أيس" !! ولم أستخدمه بتاتاً سوى في لفظة " أيس كريم أو أيس تي " !! أما عن القنوط فهو الملل أو السأم .. أي أن الله سيصيب الشيطان بالملل منا .. كما أصيب الشيطان نفسه من الملل من عفو الله ؟! .. ما علينا ).


  • وباعــد بيننا وبينه كما باعـدت بينه وبين رحمتك وجنتك .. ( لو حدث هذا البعد السحيق ، فكيف يكون مسلطاً علينا من الأساس ؟! ) .


  • بسم الله الرحمن الرحيم لا اله الا الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم .. (عبارة دينية دسمة مضروبة في خلاط Mixer عملاق متمازج فيه التسول والفهلوة والمسكنة على الله .. نطلق على هذا الأسلوب بالعامية « العيار اللي مايصبيش ، يدوش » .. أسلوب مثير للدهشة فعلاً ! ) .


  • ملاحظة : اذا كان نشرها سيرهقك فلا تنشرها فلن تستحق اخذ ثوابها لأن ثوابها عظيم ( هل رأيتموه ؟! أنه الأصبع الأوسط إياه الذي تكلمت عنه من قبل !! العبارة السخيفة المملوءة بجميع مفردات الاستفزاز .. المزمار المكلف باستدعاء (كيخوت) العصري .. أسلوب النفسية المضادة يعتمد على كم الطمع الأعمى في الثواب الرخيص والكسول المتوافر لديك .. الجملة "الباعصة" لكل منطق عقلاني يمكن اللجوء إليه في الأحوال العادية .. هل لها علاقة بخصيتي اليمنى يا ترى ؟!)


هنا رفرفت فراشة في جنبات عقلي تنثر أعاصير فكرية رقيقة .. ورفرفت معها شقيقاتها اللاتي ولدن بسبب ما أصادفه من أمور حياتية شتى أقابلها في المجتمع العربي ..
لا سجون عندي .. وفراشاتي الفكرية حرة تماماً في الرفرفة والتحليق .. فلا سماء معروفة للفكر !!

 
كانت أهم الأسئلة :
  • ما هو مصدر هذه الأفكار العجيبة حولنا ؟! 
  • لماذا يصر بعض البلهاء في تمرير بلاهتهم إلى غيرهم من البلهاء ؟!
  • ما هي الفائدة المستفادة من هذا البله ؟!
  • هل العلاقة بيني وبين ( الله ) تتضمن نشر بضع كليمات وجمل مملوءة بصيغ دينية تافهة مرفوضة معنوياً ومنطقياً ؟!
  • هل سيكافئ ( الله ) من يساهم في نشر هذا الهراء حقاً ؟!
  • ما السبب في محدودية تفكيرنا وضحالة حضارتنا ؟!
  • ولماذا وضعنا ( الله ) في قوالب ضيقة الحجم بداخلنا .. فهو غاضب أشد الغضب حيناً .. وهو الغفور الرحيم الكريم حيناً أخر ؟! فأي ( الله ) نتوجه نحن يا ترى ؟!
  • لماذا يتعامل البعض مع الآخرين وكأن ( الله ) ملكية خالصة لهم .. فهم يثورون ويتوعدون ويخربون ويسبون ويبطشون كلما تكلم أحد عن ( الله ) .. بل كلما فكر أحد عن ( الله) .. فهل الحديث عن ( الله ) لا يجوز إلا عن طريقتهم فقط ؟!

 

 
والكثير والكثير من الأفكار التي أيقنت من عدم جدوى كتمانها بداخلي .. لذلك سأخرجها كلها في الموضوع القادم حرصاً على عدم الإطالة .

 
(يتبع) ..

21‏/4‏/2010

ما بعد (إثون) .. وأشياء أخرى لن تفهمها ..!



 
حيث مرقد الآلهة .. ومنبع الأقدار ..
وحيث تتساقط الحكمة والإلهام على عقول البشر منذ أن ولد الزمن على يد الربة (جايا) ، ويستمر العطاء إلى ما بعد أبد الأبد ..
فهنا تقف العظيمة (آورانيا) وقفتها الشماء وهي تحدق في الكرة الأرضية وعلى وجهها إمارات التفكير العميق .. وإليها تحج عقول الفلاسفة العظماء لكي يتوصلوا إلى الراحة من عذاب كلمة: " لماذا ؟! " التي لا ترحمهم !!
وهنا مضجع (كليو) ربة التاريخ المدللة ، تمنح البشر أكواباً زمنية ليملئوها بلحظات شتى تضاف إلى أعمارهم الفانية !!
وهنا ينحني الجميع في تقدير أمام (كاليوبي) كبيرة الربات وهي تنشد ملحمة أخرى من ملاحم الآلهة والبشر .. بينما يقاوم الجميع في أن لا يبكوا أمام عظمة إنشادها ودفء صوتها وبلاغة تعبيرها !!
وهنا تتوجه قلوب العشاق لكي ينصتوا إلى الربة (إيراتو) لكي ينهلوا منها قصائد الغزل وكلمات الغرام .. فلا عجب أنها أكثر من يقصدها البشر !! فهي هنا (عاصمة العشق) المعتمدة والمقدسة !!
وهنا يطوف المعذبون حول (ثاليا) ربة المرح لكي يمحوا تعاستهم وبؤسهم .. وتزرع هي على وجوههم ابتسامات عذبة من حكمتها الضاحكة الكفيلة بتساقط الهموم عند أقدام مريديها !!
(تيربيسكوري) .. التي يلقي عندها البشر آذانهم لتنشد فيها عذب الغناء .. أنه الإنشاد الرباني الكفيل بغسل الروح ذاتها من كل سوء ، وهنا يتعلم الجسد في أن يتحد مع الروح في رقص أشبه بالصلوات الخاشعة لرقي الإنسان !!
أنه الأوليمب أيها السادة ..
حيث لا تكفي الأرقام المعروفة لحصر جميع من هنا ..
وتعجز جميع اللغات لكي تصف كل من هنا ..
أنه الأوليمب وكفى به أسماً ..
الأوليمب هو المكان ..
والعظيم (زيوس) هو السيد هنا ..

 
ولكن .. أين هو (زيوس) الآن ؟!

 
* * * * *

 
في ساحة شرفته الكبيرة يجلس كبير الأرباب ليراقب شئون البشر في مهمة يومية تبدأ عند مطلع الشمس ، وتنتهي عندما يقود (أبوللو) عربة الشمس إلى الجانب المظلم لكي تستريح قليلاً هي ..
إنها وظيفة لا يقدر عليها سوى (زيوس) ..
فمن غيره يتحمل طبائع البشر الشاكية إلى الأبد ؟!
ها هو يجلس في وقاره المعتاد وهو يراقب بقعة معينة من الكوكب ..
ولكن .. مهلاً !!
لا يبدو على ملامحه أي وقار !!
بل هي ملامح جذل وترقب واضحين بجلاء ..
ما الذي يحدث ؟!
أممممم ..
كبير الآلهة يراقب أجمل العذراوات (تيونا) وهي تستحم في بحيرة (يوباليس) العطرة ..
إنه يراقب نهديها الصغيران وهما يفران من قبضة (تيونا) المبللة ويتقافزان في رشاقة غزلان تخلت عنها الجاذبية الأرضية ..
لطالما أعجب (زيوس) بحسن صنيعه لنهدي (تيونا) .. بل يتفاخر في نفسه بهذه التحفة الرائعة .. فهما أشبه بالمرمر البض .. منحوتين على صدرها كالصخر المطيع ..
نهدين متنافران إلى الأبد .. لكل منهما حلمة لها وجهتها المحددة ..
يتساقطان على صدرها كشلال لا ينوي أن ينضب يوماً ..
فيما بينهما تكمن لغز حضارة (ما بين النهدين) !!
(فينوس) نفسها والتي تتفاخر بأن شموخ وعظمة نهديها كفيلان بإرضاع القمر قد شعرت بأنها تملك نهدي ضفدعة تائهة في البراري مقارنة بنهد (تيونا) !!
بدأ (زيوس) في مداعبة لحيته العظيمة وعلى وجهه إمارات الاستمتاع وهو يخترق ببصره الجبال والصحارى ليركز أكثر على (تيونا) .. وبدأ يصدق أنه وضع أسرار الكون كلها في كل زاوية من زوايا هذا النهد الفاتن .. بل أن لون حلمتها الوردية هو لون متفرد بذاته ، انتهى وجوده إلى الأبد بعدما فرغ هو من تلوينه بفرشاته الإلهية ..

  • « قريباً ستنتهي أسطورة (أجمل العذراوات) .. زيوس قادم إليك ِ يا صغيرتي من أجل مهمة تحسين نسل البشر القبيح .. »
هكذا تكلم في ذاته العظمى ..
وهكذا خط القدر بفكرة منه ..
ودخل في نوبة أخرى في السباحة بعينه حول مدار النهدين الفاتنين ..
إلا أنه سمع صوت يقول في هلع :

  • « زيوس .. أحذر يا كبيرنا ! »
التفت إلى القادم والذي كان (هيرميس) وقال في عصبية واضحة :

  • « ماذا تريد أيها المزعج ؟! ألا تراني أعمل بتركيز ؟! »
ابتسم (هيرميس) بخبث للحظة وهو يتطلع إلى معالم وجه (زيوس) ، وسرعان ما عادت إليه عصبيته وهو يقول :

  • « ليكن .. ولكنها قادمة يا سيدي »
ارتعدت أوصال (زيوس) وهو يعدل من جلسته .. ويحاول أن يركز نظره إلى بقعة أخرى من الأرض ، ويحاول جدياً أن يستعيد ملامح وقاره المعروف .. وفي الوقت نفسه دخلت عليه زوجته (هيرا) في ثوب شفاف على شفا الاحتراق من فرط لهيب مفاتنها وجمالها .. ثم ألقت نظرة ساخرة على (هيرمس) .. ثم نظرة غاضبة أخرى على بعلها المتصابي ..

  • « تحياتي الخالدة على عاشق الأجساد الفانية ! «
بادلها (زيوس) بنظرة ساخطة تحمل البرود بين طياتها وقال :

  • « بل العظمة وحدها لعاشق الجمال في أبدع صوره .. أنا وحدي من أوجد الجمال الكامل .. والكمال الأجمل .. أنا الذي عند قدمه الحسن يركع .. وعلى يديه الفن يصنع .. وأمام هيبته الكل يخضع ..»
صفقت (هيرا) بيديها في حركة بطيئة كرد فعل على كلامه الغير متناسق بالمرة .. ونظرت له في تحد قائلة :

  • « ماذا فعلت هذه المرة يا بعلي وأخي العزيز ؟! لماذا وقف تابعك المدلل (هيرمس) على باب غرفتنا في ترقب ، وفر إليك عندما رآني ؟! «
أطرق (هيرمس) وجهه للأرض في حنق ، وهم (زيوس) بالرد على بجاحة زوجته المشاغبة ، لكن صوت ما أستحوذ على انتباهه .. فاستدار برأسه أولاً ، ثم بجسده مسترشداً بأذنيه ليتبع مصدر الصوت الغامض ..
فإذا به يرى جناحان عملاقان فوقه يتصاعد رفرفتاهما كدليل على اقتراب صاحبهما منه ..
في دهشة قال (زيوس) :

  • « ( إثون ) ؟! .. ولكن هذا مستحيل .. »
اقتربت منه زوجته ولامست ظهره بنهدها وهي تقول في أذنه بسخرية وشماتة :

  • « يبدو أن هناك بعض الأحداث أفلت زمامها من كبير الأرباب .. يبدو أنني وشك قضاء وقت ممتع بعد أن كانت نيتي هي تعكير صفو صباحك آيا زوجي العزيز. «
هبط الرخ (إثون) أخيراً على أرضية الشرفة الواسعة ..ثم انحنى برأسه لكي يقفز من فوقها شخص عاري تماماً ..

  • « (بروميثيوس) ؟! »
قالتها (هيرا) بشهقة افتتان واضحة وهي تتأمل قوام (بروميثيوس) كأنما أول مرة تراه فيها .. كانت الرغبة الجامحة تطل من عينها الخضراوان في أبلغ صورها ، بينما كان من المعروف عنها تأففها الواضح لكل كيان ذكوري بما فيه جسد كبير الأرباب (زيوس) نفسه !!

رمقها (زيوس) بنظرة غاضبة نتيجة رد فعلها .. لكن الدهشة ألجمته تماماً وتوجه كل تركيزه نحو القادم من الباب الخلفي للمجهول..
(بروميثيوس) ..!
وحاول التعليق بأي جملة يمكن قولها في هذه المناسبة التي لم ترد بين طيات القدر ذاته .. ولكنه شعر بأن حنجرته تم فصلها تماما عن جسده ..
في نفس الوقت اقتربت (هيرا) من (بروميثيوس) وملامح الفتنة الصارخة على وجهها .. وبدأت تتحسس صدره في استمتاع بالغ بكلتا يديها .. وهمست بصوت ممزوج بشبق مفاجئ :

  • « كيف تحولت إلى إلهاً للجمال فجأة ؟! وكيف صار جسدك ملحمة من الفتن التي يذوب فيها جسد وعقل كل أنثى فوق (الأوليمب) أو تحته ؟! إن (زيوس) ذاته لا يملك نصف جمالك وفتنتك .. كيف يا (بروميثيوس) ؟! «
هنا تنحنح (هيرمس) في محاولة لتشجيع (زيوس) ليفعل أي شيء تجاه ما يحدث هنا .. إلا أن كبير الأرباب مازال يبحث عما يلائم قوله في هذا الموقف الغريب ..
وفي نفس الوقت يرمقه (بروميثيوس) في ثبات وهو يرد على (هيرا) :

  • « عليك بتعليق زوجك مكبلاً بالغلال الحديدية بين جبلين ، وتركه هناك حتى يمل الزمن من المرور عليه بعجلاته .. عندها ستتحور عضلات زوجك إلى هذا الشكل .. صدقيني ، النتيجة مضمونة . «
نظرت (هيرا) إلى زوجها وهي تعض على شفتيها القرمزيتين وعيناها تقول بنشوة فادحة :
« ما رأيك ؟! »
إلا أن (زيوس) تمالك نفسه أخيراً وقال في غضب :

  • « ولكن .. عقابك مدته الأبد .. فكيف تمكنت من الفرار ؟؟ «

  • « بمساعدة صديقي (إثون) طبعاً .. كيف سأهرب بدونه في رأيك ؟! لقد وضعتني في سجن محكم .. وألقيت لي بالمفتاح دون قصد منك .. »
حول (زيوس) نظرته الغاضبة إلى الرخ الصامت والذي يقف في شموخ واضح أمامه ..
فتحول (إثون) فجأة إلى تمثال من الحجر الصلد ، وإن احتفظت عيناه بنفس النظرة المحدجة في ثبات إلى (زيوس) ..
فجأة تعالت أصوات عالية مبهمة أسفل جبل (الأوليمب) .. ولم تكن أعصاب (زيوس) تسمح باستشفاف سبب هذه الضوضاء .. فأشار لتابعه (هيرمس) للنزول ومعرفة ما يحدث من البشر بالأسفل ..
وما هي لحظات مرت حتى عاد (هيرميس) وهو يقول في انفعال :

  • « يبدو أن الفانون يتابعون ما يحدث هنا بطريقة مباشرة .. بل أنهم قاموا بصنع ملحمة خاصة بالرخ (إثون) تمدح أمجاده وشجاعته في مساعدة البطل (بروميثيوس) .. الوضع مقلق بحق يا كبير الأرباب ..

  • « ما الذي تقوله أيها المخرف الأبله ؟! أي ملحمة وأي بطل تتكلم عنه ؟! »

  • « (بروميثيوس) يا سيد (الأوليمب) .. (بروميثيوس) ومعه الرخ (إثون) تحولاً إلى بطلين عند البشر !! في الحقيقة الوضع متغير كثيراً بالأسفل !!»

  • « ماذا ؟! الويل لهم هؤلاء العصاة البلهاء .. أنهم يستحقون صعقاتي الرعدية عقاباً شديداً لهم , سيصرخون بلا رحمة وهم يحترقون كالدجاج المشوي .. عندها سيهرعون إلى معابدي لكي يتضرعوا لي وهم يقدمون القرابين .. ويطلبون الصفح على ما اقترفوه .. »

  • « صواعق ؟! سيدي .. لم تعد الصواعق تخيفهم ، فلديهم أعمدة حديدية تمنع عنهم صواعقك .. أنني أكرر مرة أخرى : الوضع متغير كثيراً بالأسفل !! »
قبل أن يرد (زيوس) بمزيد من الغضب .. بادر (بروميثيوس) بالتدخل شارحاً الأمر أمام كبير الأرباب الحائر :

  • « (زيوس) .. ألم تفهم بعد ؟! حتى أنا عرفت الكثير عن البشر أثناء رحلتي إلى هنا .. يبدو أنك تحولت لإله كسول ، وانشغلت عن مراقبة البشر .. فلم تقدر على متابعة ما يحدث ..»

  • « وهل تظن نفسك أنك أعلم بصنعي مني أنا أيها الأحمق ؟! أنا أجدر من يقرر .. أنا رأس الحكمة .. وعيون القدر .. »

  • « وهل أدركت رأس الحكمة وعيون القدر شيئاً ما عن سر نهد (تيونا) الذي خلب قلبك ؟! »
ارتعد (زيوس) من جملة (بروميثيوس) المباغتة ، وتركت (هيرا) انشغالها بجسد (الملعون العائد) وركزت أكثر فيما يحدث الآن .. فقلما رأت زوجها بهذه العصبية والدهشة من قبل .. فهو معروف عنه الغرور الذي لا حد له ، وها هو ذا غروره يرتعد وراء ملامح وجهه التي حاول أن يجعلها ثابتة بجهد واضح !! بينما أطرق (هيرميس) رأسه في الأرض بعد أن عرف كل شيء أثناء جولته السريعة إلى أسفل جبال (الأوليمب) ..
كسر الصمت صوت (زيوس) المترقب وهو يقول :

  • « وماذا عن (تيونا) ؟! »
أطلق (بروميثيوس) ضحكة ساخرة وهو يجيب :

  • « (تيونا) هذه ليس إلا فزاعة حقل أو (خيال مآتة) صنعها البشر لكي يتقوا شرور زياراتك إلى عالمهم والتطفل على بناتهم جنسياً .. (تيونا) ليست إلا دمية متحركة ألقوا بها أمامك لكي يشغلوك عنهم ، بينما ابتلع (كبير الأرباب) الطعم وتابع في شغف قوامها الفاتن ، وشرد كثيراً في سحر النهدين الجميلين .. يبدو أن البشر ذو قدرات عالية في التدبر والوقاية .. لقد صدق ظني بهم .»

  • « هؤلاء الأوغاد .. أنا لا أصدق !! ولكن كيف ؟! البشر دأبهم الخنوع والخوف والجبن ، لذلك كانوا يهرعون إلى معابدي في فزع كلما شح المطر أو اهتزت الأرض من تحتهم كعلامات على سخطي وغضبي عليهم .. كيف تناسوا كل ذلك ؟! »

  • « .. السر يكمن في النار .. وحدها النار .»

  • « ماذا تقصد ؟؟ هل تلمح بأن أحرقهم عن بكرة أبيهم ؟! »

  • « بالطبع لا .. ولن يجدي هذا معهم بالمناسبة .. ولكن النار هي سر تقدمهم .. عندما قدمت لهم قبس النار كهدية من جبل (الأوليمب) استطاعوا بذكائهم استغلاله وتطوير استخدامه .. النار هي السبب الأساسي في العلم والمعرفة يا (زيوس) .. كل شيء بدأ من قبس نار .. بينما انشغلت أنت بمطاردة ( أجينا ، إلكترا ، إلارا ، هيماليا ، أنتيوبي ، ألكامين ، نيوبي ، بيارا ، كاليستو .. والكثير والكثير من نساء البشر) وقمت باغتصابهن في نزوات دنيئة لا تليق بعظيم الآلهة .. لذلك قرر البشر الثورة عليك .. توقع هزيمتك أمامهم يا (زيوس) .. »
تغيرت نبرة (زيوس) إلى الغضب الهادر فجأة وهو يقول :

  • « هزيمتي أنا ؟! أنا أعظم الخالدين .. أنا (زيوس) .. قاهر (التيتان) ومحطم أسطورة الرب الأول أبي (كرونوس) ، يهزمني بضع من الفانون ؟! أي جنون تفوه به فمك يا (بروميثيوس) ؟! أنا وحدي من يقرر الأقدار والمصائر .. »

  • « ولكنك سهوت عن وضع قدر لنفسك .»
فوجئ (زيوس) بالرد ، وفطن أنه يدرك هذه الحقيقة لأول مرة !!
بالفعل لا يوجد قدر معروف له ، فغروره الواضح مهد له بالظن أنه أكبر من أن يحتويه المكان والزمان .. وهما الشرطان اللازمان لمد قضبان القدر أمامه !!
لوهلة شعر بالخوف المحدق ، وبدأ عقله يدخل في تيه لانهائي يليق بكبير الأرباب ..
وفي نفس الوقت لمس الخوف من رفيقة حياته المشاغبة (هيرا) .. لقد تخلت هي الأخرى عن غطرستها المعروفة ، وغزت معالم الهلع على وجهها الفاتن .. أليست هي شريكة زوجها في الحكم ؟! كم بدت الآن مثل الطفل المذعور الذي ينتظر عقاب ما بدون ذنب اقترفه ، على الرغم من كم المؤامرات التي كادتها للنيل من الجنس الفاني بشهوات انتقامية أحياناً ، وطلباً للتسلية وتزجية بعض الوقت في أحيان أخرى !! كم هو غريب أمر كبيرة الربات !!
أما (هيرميس) فكاد أن يلطم خديه حرفياً كلما تذكر هول اللحظات القادمة ، فهو أكثر رواد (الأوليمب) تعاملاً مع البشر .. وهو من حضر ولادة جنسهم على الأرض ، وكيف كانوا خائفين مذعورين في أول حقب عصورهم .. وقتها كانت السيطرة عليهم هينة من سادة (الأوليمب) ، فكانوا ينفذون التعليمات الإلهية بطاعة عمياء لا نشوز فيها .. حتى مكائد السادة ومزاحهم فيما بينهم كانوا يعتبرونها أوامر صريحة واجبة التنفيذ بلا مناقشة ..
حتى بدءوا في استخدام عقولهم .. وعرفوا طرق أخرى للعيش بدون الاحتياج للسادة في العلياء ..
الإنسان بالنسبة لهم كان مجرد وحش أليف ومطيع يعيش في قضبان عقيدة (الأوليمب) .. وقد تحرر بواسطة عقله من السجن المفروض عليه .. فيالهول انتقامه !!
قطعت كلمات (بروميثيوس) جدران الصمت التي حوت المكان منذ برهة من الوقت وهو يقول :

  • « أنهم في الطريق يا (زيوس) .. أنهم قادمون وفي قلوبهم رغبات قوية للثأر منك ومن حاشيتك .. أنا أكثر إدراكاً منك بهم ، فأنا من ساعدتك في صنعهم .. لكنني تميزت عنك في الاقتراب منهم أكثر وفهم طباعهم .. بينما تعاملت أنت معهم على أنهم دمية مسلية أصابتك بالقنوط بعد فترة من الزمن .. ربما من الأفضل أن تذهب بعيداً الآن .. وتنشئ عالم آخر من جديد .. وعليك أن تتقي أخطاءك هنا .. عليك أن تتعلم فهم صنعك جيداً ، لا أن تتعالى عليهم وتعاملهم بحماقة وغضب مشوب بالاستخفاف منهم .. دعني أصارحك القول بأن نيتي كانت الانتقام لما فعلته معي أنا والرخ الخالد (إثون) .. ولكنك تحولت إلى إله حائر في نظري أنا ، ولا أخفي شعوري بالشفقة تجاهك .. »
ابتسم (زيوس) فجأة بابتسامة لا تليق – أبداً – بالموقف الدائر الآن .. وقال وعلى وجهه المسن علامات الخبث الواضحة :

  • (بروميثيوس) .. يا سليل (التيتان) .. لم تغير العقوبة من طباعك المندفعة .. بل لازلت أنت كما أنت .. (بروميثيوس) الثائر المائل للبشر أكثر من السادة .. هل تظنني – حقاً – أخشى ثورة الأرضيون علي ؟! بالطبع لا .. فاللحظات القادمة ستحمل متعة لا تخلو من التسلية بالنسبة لي ، ربما ستكون أسعد اللحظات طراً في حياتي الخالدة .. إن كنت أنا عديم القدر كما وصفتني أنت ، فهذا ما يزيد تشويق اللعبة .. تخيل النصر المحسوم لي بغض النظر عن وقع المعركة بيني وبينهم .. حتى مع امتلاكهم النار التي سرقتها أنت منا .. والتي هي المعرفة .. سيظل البشر بلهاء حائرين عاجزين .. أنهم لا شيء بدوني يا عزيزي (بروميثيوس) .. أنهم لا شيء .. وتأكد أنهم في احتياج بالغ لي وللخوف مني .. حتى وإن توصلوا لعدم ملائمة وجودي في عصورهم المتقدمة .. فأنا كما أنا .. صانعهم الأوحد ، وأكثر من يدرك طباعهم المتشتتة دوماً .. لقد صنعت الإنسان ضعيفاً .. وصفة الضعف لن تزول عنه مهما امتلك من معرفة .. بل هي حاسة تلازمه طوال بقائه على الأرض ، وحتى منذ أن كان عقله مجرد صفحة بيضاء كان يدرك معنى الخوف وقيمة الملاذ .. لو كانت الأمور تسير حسب وجهة نظرك ومفهومك يا (بروميثيوس) لما هرع الطفل باكياً إلى حضن أمه بعد أن ضربته ضرباً مبرحاً ، فهو يشكي إليها بلغة الدموع ويحاول أن يعبر لها عن مدى ظلمها حسبما يتصور هو ، وفي نفس الوقت يقترب أكثر من المكان الوحيد الذي يشعر فيه بالأمان وانعدام الخوف .. حضن أمه !! علاقة غامضة يا (بروميثيوس) أليس كذلك ؟! ألم تفكر يوماً واحداً أثناء عقوبتك وتحاول (فلسفة الأمور) مثلما يفعل البشر ؟!
    كلا بالطبع ..
    لقد أضافت إليك العقوبة غضباً أعمى وحماقة عظمى ..
    وجئت بنفسك إلى كبير أربابك وفي نيتك الانتقام بقسوة وبسخرية أيضاً ..
    لا تظن أنني إله ساذج حسبما يتصور عقلك الأعمى .. فكل كبيرة وصغيرة تدور هنا وبالأسفل تم التدبير لها بعناية خاصة مني ، حتى تدخلاتي في نسل البشر كانت لهدف محدد ، وبدونها ما جاء معادل (أوليمبي) للشر المتوالد في الأرض .. تخيل ما يمكن حدوثه بدون وجود أبني (هيركليس) مثلاً .. كم من البشر سيموت على يد (الهيدرا) والتي هي رمز واضح للشرور والخطايا العديدة المتوالدة من خطيئة واحدة هينة ، أو حتى الأسد (النيماني) المهيب والذي بدوره يرمز إلى مجابهة الخوف حتى ولو كان مهاباً بدلاً من الهروب بمهانة بمجرد سماع زئيره الهادر ..
    أما عن الفاتنة (تيونا) .. فأنا من أوحى للبشر أن يصنعوها لأسباب خاصة بي .. ولن يهمك أن تعرفها – مطلقاً – طالما بصيرتك محدودة يا (بروميثيوس) .
أنسدل رداء الصمت على أفواه الثلاثة الحضور وإن اختلفت التعابير على الوجه تماماً ..
(هيرا) كانت تقف باحترام تبجيلاً لعبقرية زوجها والتي عرفت الكثير عنها في هذه اللحظة ، بينما اعتبرته في السابق مجرد (عجوز متصابي) يهوى اللعب والعبث في أقدار البشر .. ودار بخاطرها إنها لم تقترب منه يوماً بالقدر الكافي لتفهم قدراته الفذة ..
(هيرميس) كان يشعر بالراحة بسبب إزاحة أسرار شتى عن كاهله ، فكثيراً ما عايره الأولمبيون والبشر بأنه (قواد كبير الأرباب) ، بينما هو وحده من يعرف الأسباب .. ولكن بحكم مكانته عند (زيوس) تحمل كثيراً ولم يضيق ذرعاً بما يقال عنه .. وها هي الحقائق تتساقط بسخاء مثل الورق الجاف من شجرة المعرفة – (زيوس) – في خريف الحقيقة !!
أما (بروميثيوس) فأصيب بالحيرة الداهمة والقلق العارم .. فلسان (زيوس) نطق بما لا يتوقعه على الإطلاق ، بل غير جميع حساباته كلياً .. وأصاب رغبة الانتقام لديه بالتشتت بطريقة غير متوقعة !!

  • « طالماً أنك على دراية بكل شيء ، فلماذا عاقبتني إذن على إهداء النار للبشر ؟! »
قالها (بروميثيوس) على سبيل الأمل في اكتساب تعاطف (زيوس) لعله يتفهم موقفه .
إلا أن (زيوس) قال بهدوء وقور :

  • « النار كانت جزء مقدر في تاريخ البشر ، فهي أحد أعمدة الحضارة كما تعرف بالطبع ، ولكن .. الإنسان لم يكن مستعداً لفهم فوائدها في هذا الوقت .. الوضع أشبه بإعطاء طفل رضيع سكيناً لكي يلهو به .. الكثير من الشرور ولدت بسبب وجود النار يا (بروميثيوس) .. يجب أن ينضج عقل الإنسان أولاً لكي يستوعب المعرفة أو النار .. ولأن الإنسان وقتها لم يكن بالقدرة الفكرية الكافية فقد فسر الأمر على أنه أنانية مني أنا لكي أحتفظ بسر النار لي وحدي .. هكذا تربى الإنسان على كره (زيوس العظيم) بدلاً من تبجيله .. وكله بسبب تدخلك أنت .. برغم أن تدخلك كان مقدراً منذ البداية .. وأيضاً عقابك عن طريق العزيز (إثون) والذي انتهت مهمته بمجرد حضورك هنا . »

  • « اللعنة يا (زيوس) .. أنا لا أفهم شيئاً .. »

  • « لست بحاجة لأن تفهم يا (بروميثيوس) ..
    والآن .. هل أنت مستعد للجزء الثاني من عقابك ؟! »

  • « ماذا ؟! وهل عقابي بالنسبة لك عبارة عن حلقات ترفيهية مسلسلة ؟! »

  • « أمممم .. إلى حد ما .. أما الآن فعليك أن تتأهب لمقابلة (باندورا) .. »
شهقت (هيرا) بشفقة واضحة عندما سمعت الاسم .. ونظرت إلى (بروميثيوس) وكأنها تنعيه على مصيبته القادمة ..
(باندورا) هي نموذج الأنثى الأول الذي أمر (زيوس) بصنعه لتكون رفيقة للرجل ، وقد برع فعلاً في إنشاءها من الماء والطين .. ثم أنعم عليها بالجمال الباهر والدلال الساحر ، وجزء يسير من المكر والدهاء .. وقد أجل (زيوس) ظهورها على الأرض لحين ظهور من يظن نفسه بالكفاءة الكافية للحفاظ عليها والسيطرة على قدراتها الجامحة ..
بينما (لفائف القدر) ونبوءات العرافات تحذر من خطر (باندورا) هذه .. إذ إنها ستكون السبب الرئيسي لمتاعب البشر فيما بعد ، وسيلعب فضولها الذي لا حد له في جلب الخراب إلى البشر قاطبة ..
عقاب (بروميثيوس) الآن هو رفقة (باندورا) .. وهو لا يعلم كم الهول القادم بسببها .. وربما سيلعنه البشر لو تكاسل عن وظيفته هذه ..
وفي نفس الوقت سيتأكد (زيوس) بأن (بروميثيوس) سيتعلم أن قيادة مصائر البشر ليست يسيرة كما يظن هو ، بل سيدرك صعوبة التحكم في واحدة فقط منهم : (باندورا) ..
يا له من عقابِ قاسِ .
حاول (بروميثيوس) التملص من العقاب قائلاً بسخرية هادئة :

  • « أوووه عزيزي (زيوس) .. ألا يستطيع أحد أن يمازحك؟! أنني لست كما تظن .. أنا لست (بروميثيوس) .. أنا شخص أخر أدعى : وائـ ..»

     

  • « لا عليك .. أنا أيضاً لست من تظنه ، ولكنك أنت من بدأ الأمر ، وأنت من عليه تتحمل العواقب .. ليس من السهل أبداً أن تستخف بقدرات حاكمك وكبير آلهتك ، كما أنه من الصعب أن تحاول صنع مجدك وبطولاتك على من هو أعظم منك يا (بروميثيوس) .. كما عليك التذكر بأن :
    (الانتقام طبق يفضل أن يقدم بارداً .. لكن يجب أن تكون – أنت – كفيلاً بحمله !!)
     
    حظ سعيد هذه المرة عزيزي (بروميثيوس) .»

 

21‏/3‏/2010

(وائل عمر) و(بروميثيوس) و(إثون) .. و(وائل عمر) أيضا ..!






تقول الأسطورة :

« تجرأ (بروميثيوس) على القيام بالحماقة العظمى حينما سرق النار المقدسة (والتي ترمز إلى المعرفة) من قمة جبل (الأوليمب) وقدمها إلى البشر الغارقون في الظلام الدامس ، فأستغل البشر هذه الهدية وأناروا لياليهم وحياتهم فيما بعد بواسطة هذه الهدية الإلهية !
بينما ثارت حفيظة كبيرة آلهة الأوليمب (زيوس ابن كرونوس) وتطايرت الصواعق من يده اليسرى غضباً وسخطاً على (بروميثيوس) الأرعن .. فقرر معاقبته على جرمه المريع ، كانت حجته (أي زيوس) هي: كيف يتساوى جنس البشر الدنيء مع عظماء السادة في (الأوليمب) ..
بناءاً عليه لجأ (زيوس ابن كرونوس) إلي نفسيته السادية وقرر ابتكار عقاباً لم يسبق له مثيل .. فأتى بـ (بروميثيوس) وعلقه بين جبلين شامخين مكبلاً ذراعية بسلاسل مصنوع من صلب لا يقبل المزاح ، وسلط عليه الرخ (إثون) ليأكل كبده في مطلع كل صباح بتأني وشهية مفتوحة ، بينما يعيد (زيوس) إنبات الكبد مرة أخرى ليعاود الرخ (إثون) إفطاره الطازج كل صباح ..
مدة العقوبة هي الأبد ..
أو هكذا قرر كبير الأرباب ..
وتستمر المعاناة اليومية .. ويتجدد الألم القاسي كل مطلع شمس !
أعتقد أن (بروميثيوس) أمتلك وقتاً كافياً لتوجيه سؤالاً مصيرياً إلى نفسه من الصعب إيجاد شافيه له :

  • هل يستحق البشر هذه التضحية ؟!
بالطبع ينتهي عذابه هذا عندما يعثر عليه (هركليس أبن زيوس) عليه في أحدى رحلات السفاري (الغرض منها استعراض عضلاته الخارقة مع الوحوش التي تطلقها عليه ضره أمه وزوجة أبيه ( هيرا) بسبب الغيرة) .. عندها يقرر (هرقل) أن يطلق سراحه وإنهاء عذابه . »
إلى هنا انتهت قصة (بروميثيوس) التي تعد من أروع الأساطير في الميثالوجيا الإغريقية ..
وتبدأ أسطورة أخرى معي أنا ..
بشكل ما دار في مخيلتي أن (وائل عمر) قرر أن يأخذ مكان (بروميثيوس) في الميثالوجيا !!
وأبدل مكانه معه في الزنزانة الواقعة بين قمتي جبلين .. سابحاً في الفراغ الشاهق عارياً من كل لباس ..
في الصباح يزورني (إثون) السمج ليأكل كبدي في نهم .. وفي المساء ينمو كبدي مرة أخرى بين أحشائي !
ولكن ..
أي (وائل عمر) سيحل محل (بروميثيوس) ؟!
نعم ..
فهناك أثنين (وائلين عمرين) هنا ..

  • (وائل عمر) هو أنا كما آراني من الداخل .. الذي لا يخجل من الشعور بالغرور حينما يصف نفسه بالروعة التامة في المثالية الفكرية ، وأن العالم بما فيه لا يستحق وجوده ، وأن مكانه الحقيقي في عالم مواز أخر سداسي الأبعاد .. تخيلوا أنه يظن أن قدرات عقله لا تناسب قدراته الجسدية ؟! بل أنه يعتقد أن إمكانيات عقله مقارنة بحجم جمجمته مساو تماماً بـ حوت عملاق موضوع – قسراً – داخل كوب ماء (!!!)
    ألم أقل عليه مغرور ؟!
    لكنك لن تشعر بغروره أو إمكانياته هذه التي يتشدق بها بين ثناياه طالما أنت لست فكرة بداخله !! بناءاً عليه لن تشعر بذرة واحدة مما يعتريه بالداخل .. دعني أؤكد بأن الأمر أشبه بمفاعل نووي هائل تم إنشاءه داخل علبة حلوى زاهية الألوان ..


  • (وائل عمر) الآخر هو الذي أفلحت في اصطياده من انطباعات المحيطين به سواء كانت طريقة الصيد هي المصارحة المباشرة منهم ، أو الملاحظة الخبيثة مني أنا ..
    أنا في عيون البعض :

    • طفل كبير .

    • أرعن لأقصى درجة ..

    • متهور (والتي لها نفس معنى السطر السابق ) ..

    • ساخر بطريقة ساخطة .. وساخط بطريقة ساخرة !!

    • سليط اللسان بطريقة لا يفهمها أحد (للأسف) .

    • متقلب المزاج مثل مفرمة (منجنيز) عملاقة (راجع الجدول الدوري لـ مندليف) .

    • ممل .. بل ممل لأقصى درجة !

    • قوي الذاكرة بشكل مروع ..

    • يصعب توقع رد فعله ..

    • يعشق (الفانلة الداخلية) بجنون ، ويعتبرها أعظم الاختراعات قاطبة .. ولا يكف عن المصارحة بهذا الإعجاب في كل مناسبة !

    • يكره العنف .. ومع ذلك هو عنيف !

    • رومانسي جداً .. بل يمتلك رهافة وأحاسيس ورقة مشاعر (غراب) يافع في موسم التزاوج ..

    • من أهم علاماته التشريحية : حاجبه الأيمن الذي يعلو شقيقه الأيسر في حالات الدهشة .. أو انعقادهما معاً في حالات التفكير والشرود ..

    • علامة تشريحية أخرى : حاد النظرات بطريقة مرعبة !!

    • فاشل تماماً في التعامل مع الجنس الناعم .. وأي شيء له علاقة بالأنوثة بشكل عام !!

    • جاف الطباع كورقة شجر خريفية منسية !

    • فضولي بدرجة يفر منها الفضول نفسه ..

    • غامض بدرجة أقرب إلى ثقب أسود حائر في الفراغ السرمدي !

    • تحت أي ظرف لا يمكنه الجدال في المعادلة الرياضية : 1 + 1 = 2 .

    • يصاب بعقدة نفسية كلما اصطدم بعلامة استفهام تنتهي ورائها قدرات المنطق .
بالطبع هناك الكثير والكثير المتاح ذكره هنا ، ولكني لا أرغب في تعرية ذاتي أكثر من ذلك (تذكروا شمم وكبرياء وائل عمر الآخر).

اختصاراً للوقت ومجهود مقلات أعينكم .. قررت وضع (وائل عمر) الذي يراه الناس مكان (بروميثيوس) لبعض الوقت .. وإن كان رد فعله منطقي بالنسبة لكم ، إلا أنني سأسرده بالطريقة التي ستورد على عقل (وائل عمر) إياه ..

* * * * *


  • (الفراغ والألم ) ..
    ثنائي غريب أشعر به في هذه اللحظة !!
    لحظة ؟!
    منذ متى وأنا أشعر بالزمن ؟!
    كل لحظة هي توأم غير شرعي – متوالد باستمرار – نتج عن معاشرة غير سوية من الوجود للعدم !!
    لا فرق بين لحظة وأخرى .. لدرجة أنني أشعر بقدراتي على التنبؤ بالمستقبل من فرط التكرار الممل .

    الفراغ يحيط بي من الخارج .. كل ما هو حولي هو فراغ .. لا توجد رؤى سوى قمتي جبل ولدا بعاهتي الصمم والبكم .. لهذا تتساقط الكلمات مني مثلما يتساقط العرق .. لا يوجد من أتحدث معه هنا .. مجرد فراغ ..

    والألم يعصف بي من الداخل .. ذراعيي المشدودان بقسوة إلى السلسلة القاسية تضيف معنى أخر للفظة (ألم) ..

    في أقصى الأفق تولد (دائرة الشمس الصفراء) في مخاض سماوي فريد ، بينما يزحف على الأرض أسراب لانهائية من العبيد الرمادية اللون والتي هي ظلال الجبال الأخرى تعلن في لهفة طفولية عن ميلاد نهار جديد ..
    في مناسبة أخرى كنت سأعجب – حتماً – بهذا المشهد ..
    إلا أنها بشير قدوم زائر ثقيل الظل بالنسبة لي ..
    (إثون) ..
    جاء لكي ينعم بوجبته في الصباح ..
    كبدي الطازج والذي مضى على صنعه أثني عشر ساعة بزمنكم أنتم أيها المحظوظون !

    بالفعل أسمع رفرفة أجنحته العملاقة تهز الأفق من حولي ..
    بينما أسمع صوته المزعج الشبيه بالفحيح والصياح والنقيق معاً ..

    • « (إثون) جاء ليتناول إفطاره .. »
هكذا أترجم صياحه في مخيلتي .. هذا المأفون يتعامل معي على أنني شجرة طارحة لثمار الكبد الطازج ..
هذه المرة بالذات صممت على أن أنغص عليه يومه .. لا أعلم أين سيذهب بعدما ينتهي من وجبته ! لكنني توعدت له بقضاء يوماً أسود ..
ها هو يقترب مني في لهفة واضحة .. لازال كما هو بهيئته المرعبة التي تثير الرهبة وتجمد الدماء في العروق ..
(إثون) .. الرخ المختار لعذابي ..
توقف أمامي بينما يزال يحلق بجناحيه العملاقين ليحافظ على وضعه أمام كبدي .. بينما ينظر بخبث وتحد إلى عيني الحادتين التي تبادله نفس النظرة ..
الغريب في (إثون) أنه يمتلك نفس الصفات الوراثية لدجاجة غبية موجود في أي حظيرة نمطية .. لهذا أخذ يحرك رأسه في حركات دائرية عشوائية وهو يصدر قرقرة خافتة تثير الحنق بالإضافة إلى نظرة بلهاء تطل من عينه ..
هل فقد (زيوس) حاسته التخيلية في ابتكار صفات جادة تليق بهذا الوحش المرعب ؟!
راودتني فكرة بأن أمطره برذاذ أصفر ذاتي الصنع كمحاولة مني لإفساد شهيته المفتوحة ، لكن زاوية الإطلاق عندي منخفضة ولن تصيب الهدف مهما حاولت ..
هناك فكرة أخرى هي أن أركله بقدمي على رأسه عدة مرات حتى يصيبه الذعر ويفر هارباً .. إلا أنني تذكرت أنني أتعامل مع (رخ) أصيل وليس (إوزة) ناعسة !!
هنا خطرت لي فكرة لا بأس بها قبل أن يقترب منقاره من جانب بطني الأيمن فبدأت في تنفيذها على الفور :

  • « (إثون) .. هل تستطيع التحدث ؟! »

  • « بالطبع يا أحمق .. لا تنس أنني سليل عالم إغريقي متكامل .. كل شيء يتكلم هنا .. حتى الجبال يمكنها الغناء في هذا العالم .. »

  • « أممم .. إذن أولاً عليك اللعنة ، لماذا لم تحادثني من قبل أيها الأخرق ؟! لقد أصابني الملل تكرار من جراء الوحدة .. حتى أنني صرت الملل ذاته !! »

  • « متأسف جداً .. ولكني لست معتاد على مخاطبة وجبتي الوحيدة طوال يوم كامل .. هل كلفت نفسك بعناء التحدث مع (موزة) قبل أن تقشرها وتلتهمها في نهم ؟! »

  • « لا .. لم تخطر لي هذه الفكرة في السابق !! »

  • « نفس الحال هنا .. ولا تنس أنني أكابد العناء في تقشير كبدك كل مرة .. لو كنت – أنت – متعاوناً وجهزت وجبتي مغلفة على طريقة (Take Away) لأسعدني طبعاً قضاء وقت لا بأس به في الحوار معك . »

  • « جميل جداً .. أنت تتحلى بروح الدعابة ومنطق لا بأس به .. أنني أتساءل بحق عن جريمتك .. وكيف طاوعك عقلك على ارتكاب ما فعلته .. لابد أنك تعاني كثيراً في قضاء عقوبتك هذه !»

  • « عفواً ؟! عن أي شيء تتحدث ؟! عن أي جريمة وأي عقاب تتحدث ؟! »

  • « أحقاً لا تعرف ؟! كنت أظنك فطناً بما يكفي لمعرفة ما يحدث هنا !! »

  • « تدلني فطنتي أنك تحاول فعل أمر ما مريب .. لقد حذروني السادة في (الأوليمب) من خطر دهائك الداهم .. لكنني وجدت التعامل معك متعة لا بأس بها .. »

  • « أحقاً أخبروك بهذا ؟ هل أنت ساذج إلى هذه الدرجة عزيزي (ثونة) ؟ »

  • « يبدو انك تحاول إفساد شهيتي بالكلام الفارغ معك .. محاولة جيدة .. لكنها لم ولن تفلح . »

  • « عزيزي (إثون) .. فكر بطريقة جدية ، أنت تعرف طبيعة (زيوس) العبثية في إدارة الأوضاع .. تخيل كبير الآلهة الذي يمتاز بعقل طفل رضيع وهو يسيطر على زمام الأمور .. أنه يصنع البشر باقتدار فائق ، ثم يشعر بالغيرة من الذكور منهم .. بينما يطارد جميلات الإناث منهن .. بل يتمادى في الأمر ويحول نفسه إلى حيوانات من أجل أن يتلصص عليهن وهن عرايا ليتطور الأمر إلى مضاجعة شهوانية منحطة من جانبه ..
    هل تدرك أنه أحياناً يحول بعض البشر إلى حجارة من أجل استخدامها في المزاح مع (هيرا) ؟ تخيل رب الأرباب الأعظم وهو يقذف زوجته بحجر كان في السابق فيلسوفاً حكيماً أو معلم وقور .. »
اختفت نظرات النهم من ملامح (إثون) وحل مكانها إمارات التفكير والحيرة ..

  • « لماذا تفكر على هيئة دوامات؟! أنت قلت شيئاً ما عن جريمة وعقاب .. أي شيء تقصد بالضبط ؟! كف عن محاولاتك لخداعي ، لو اكتشفت أنك تحاول العبث معي فصدقني أنا على استعداد أن ألتهم كبدك على مهل وطوال النهار .. سأعلمك معنى جديد للعذاب . »

  • « عزيزي (إثون) .. فكر قليلاً .. من يعذب من يا رفيقي .. أنا وأنت معاقبين من الأبله (زيوس) .. »

  • « ماذا ؟! »

  • « نعم عزيزي .. فكر جدياً في الأمر ، ثم أحكم بنفسك .. أنت تصحو من نومك منذ مطلع الشمس ، وتطير مسافات طويلة من أجل أن تصل إلي هنا .. ثم تكون مكافأتك عبارة عن قطعة لحم صغيرة – هي كبدي – تحاول أن تقنع نفسك بها طوال اليوم .. قل لي يا أعظم من حلق في السماء :

    • هل تغني قطعة لحم صغيرة عن مجهودك وطيرانك ذهاباً وإياباً طوال اليوم ؟!

    • هل جربت طعماً أخر غير طعم كبدي طوال فترة عقوبتك هنا ؟!

    • ألم تشتاق يوماً لطعم لحم غزال الشهي الذي يرعى بحرية في جزيرة (مينتاروس) ؟!

    • ألم تفكر متى ينتهي هذا الروتين الممل السخيف الذي تمارسه يومياً ؟!

    • هل تعتقد أن أحد ما سيقرأ بطولاتك في كتب التاريخ ، ثم يتأمل مجدك وزهو عظمتك ؟!
    أجبني يا (إثون) ..
    صارحني بينما كبدي ينتظر منقارك في أحشائي .. فلا فرق بالنسبة لي .. أنه مجرد آلم يوم أخر ، وقد اعتدت طعم الألم منذ زمن لا أدري مجمله .. أنا هنا عارياً مصلوباً في العلياء .. تتماطر علي أحقاد (زيوس) وحاشيته البغيضة .. بينما يقدسني البشر ويضربون بي المثل في التضحية والوفاء .. بينما أنت تمثل السجان القاسي والشرير في نظر البشر ..
    (النار المقدسة) أصبحت في متناول البشر يا (إثون) .. وقريباً سيصبح كل شيء في متناولهم أيضاً .. فكر جيداً .. تخيل البشر وهم يحتلون مكانة (زيوس) شيئاً فشيئاً .. عندها سيصبح هو مجرد أسطورة بلهاء يقصها الكبار على الأطفال قبل النوم .. أو يصير أسمه مجرد ضيف سمج في قصة عادية عن الإغريق .. وتتحول معابده الكثيرة إلى مزارات سياحية يتأمل فيها الناس تمثاله العبوس والمتجهم الملامح ..
    فكر جيداً (إثون) .. والقرار لك . »
لم أستطع منع نفسي من إضافة لمسة تمثيلية على ملامحي .. فأشحت بوجهي بعيداً عن (إثون) على سبيل التعبير المسرحي .. وأتأمل ملامحه بنصف عين لأراقب ردة فعله !
كما توقعت .. لقد أفلحت دموعه في الفرار من عينه بسخاء .. ربما هذه أول مرة أشاهد طائر يبكي .. خصوصاً أنه طائر الرخ المرعب .. يبدو أن موهبتي التمثيلية لا بأس بها ..

  • « (إثون) ؟! لقد تأخرت عن موعد إفطارك يا عزيزي .. هيا .. أضف حبة رمل إلى جبل عذابي .. وأسكب نقطة شرف إلى بحر مجدي .. هيا يا عزيزي .. »

  • « ... »

  • « ما بك يا عزيزي ؟! »

  • « اللعنة عليك .. لقد تذكرت الآن كم هو مريع طعم كبدك .. أنني لم استسغ يوماً طعم لحومكم .. لقد نسي الأرعن (زيوس) أنني نباتي ! هذا الأخرق (الفلاتي) .. أرغمني أكل اللحم يومياً دون أن أفكر مرة بالاعتراض .. أو حتى تذكيره هو .. لقد تعذبت أنا الأخر .. تعذبت دون أن يتذكرني أحد ، أنا المنسي من (زيوس) وحاشيته .. وملعون من البشر ، ومكروه منك أنت .. أنا .. أنا لا شيء .. »
قالها ودخل في نوبة بكاء عالي نشيجها ..
للحظة برقت عيناي ببريق لامع وأنا أتأمله ..
ثم تحولت ملامحي للتعاطف الصادق معه ..
نعم ..
هو رخ مرعب .. لكن لا ذنب له .. أنه مجرد آداه للسادي الأبله (زيوس) ..
هنا خطرت لي فكرة أخرى ..

  • « (إثون) .. ماذا عن ميولك (الراديكالية) ؟! »

  • « ماذا ؟! »

  • « أعني آآآآ .. لماذا لا نطرق أبواب الانتقام ؟! أنا وأنت معاً .. »

  • « ماذا تقصد ؟! »

  • « سأشرح لك .. لكن أجبني عن سؤالي أولاً : هل لازلت تشتهي طعم كبدي ؟! »

  • « (ياع) .. كلاً بالطبع .. قلت لك أنني نباتي أيها الأحمق .. نبااااااااتي .. لا علاقة لي باللون الأحمر إلا عن طريق الفراولة والطماطم والكريز .. »

  • « وماذا عن البطيخ ؟! »

  • « ماذا ؟! »

  • « لا عليك .. عزيزي (إثون) .. لقد انتهى عهد عداوتنا .. وصرت الآن صديقي وشريكي .. كم أتمنى أن تصبح يدي طليقة لكي أحتفي بهذه المناسبة وأعانقك .. »

  • « مهلاً .. قد أستطيع فهم جزء الصداقة .. ولكن شركاء ؟! كيف أكون شريكاً لك ؟! »
ما أروع موهبتي التمثيلية في أصعب الظروف ..
لقد أثرت أن أصمت قليلاً وأن أشد عضلات ذراعي وأنا أجذب السلسلة البغيضة .. وقمت بتقطيب حاجبي .. وقلت في بطء وأنا أنظر في عينه :

  • « في الانتقام يا (إثون) .. شريكي في الانتقام . »

  • « الانتقام ؟! »

  • « نعم (إثون) .. الانتقام .. »

  • « وكيف تقوى أنت على الانتقام ؟! »

  • « أنت لا تعرفني جيداً .. كذلك (زيوس) .. فك وثاقي وسترى .. »
فوجئ (إثون) بردي المنفعل المدروس .. وأجفل قليلاً وأصابه التردد للحظة .. ثم أتخذ القرار وهو يقول في عزيمة:

  • « حسناً يا صديقي .. فلنكن شركاء .. أصمد قليلاً .. سأقضم أغلالك الحديدية .. لا تستهن بموهبة منقاري .. »
غير (إثون) من وضعه (التحليقي) .. وصار أسفل جسدي .. تحديداً ما بين قدماي في وضع جعلنا أشبه بالخيل وفارسه .. ثم توجه بعنقه يميناً ويساراً ويقضم القيود الحديدية ليحرر ذراعاي أخيراً ..
ما أجمل الحرية ..
رفع (إثون) عينه إلى عيني قائلاً :

  • « والآن أين سنتوجه ؟! »

  • « إلى شاطئ (كريت) للعراة !.. إلى جبال (الأوليمب) طبعاً .. هناك الكثير والكثير ينتظره المؤرخين لإضافته لمصفوفة الأحداث الإغريقية .. سيقرأ الناس فيما بعد كيف ركل (وائل عمر) مؤخرة (زيوس) المبجلة وهو يجرده من كل هيبة نالها من أساطير العذاب التي كالها إلى البؤساء أمثالي أنا و (سيزيف) و (أوديب) و (إيكاروس) و (يوروبا) و (إيكو) والعديد غيرنا .. »

  • « لحظة .. من هو (وائل عمر) هذا ؟! لم أسمع به من قبل !! هل هو أسطورة منسية ؟! .. أم مجرد أحمق يحاول التمسح بالمجد الإغريقي ؟! »

  • « أحم .. لا عليك (إثون) .. فلنذهب ونظفر بثأرنا .. هياااااااا »
هنا أطلق (إثون) صرخة هادرة تليق بطائر رخ محترم .. وبدأ الأفق يتخذ أشكال عديدة غابت عني منذ الدهر .. بل أكاد أقسم أن الجبال تغيرت هيئتها ، يبدو أنني سجنت لأمد طويل جداً ..
أمممم .. ما أجمل طعم الانتقام ..
تريث أيها الأرعن (زيوس) ..
فالانتقام قادم لك على جناحين كبيرين من صنعك أنت ..

(الانتقام طبق يفضل أن يقدم بارداً) ..

11‏/2‏/2010

محاكمة عقلين .. وأكثر ..!

بين الحين والآخر ينتابني حلم غريب يتكرر مرات عديدة بنفس الفكرة والمضمون ولكن بأحداث مختلفة كل مرة !!

في الغالب ما يقحم هذا الحلم منامي بجيوش عاتية أعجز عن صدها أو حتى التفكير في محاربتها .. فهو يأتي فارضاً وجودي ، وأنا أتابعه بكل استسلام مملوء بالذعر ..

حتى الآن عجزت عن تعريف كنهه سواء بالحلم ، أو كابوس !! كأنني أخشى التفكير فيه .. لكنني لا أميز ما بين أحلامي ، فحتى الكابوس أسميه حلم .. فهو يندرج تحت وجود العالم الوهمي الذي ينتاب الفرد منا في منامه ..

لكي لا أبدأ في الإطالة أو الاسترسال سأذكر الأحداث الأساسية لما يأتيني تحت أسم : حلم :

أنا – جالساً على ركبتي - أتوسط أشخاصاً ملثمين بأقنعة سوداء تخفي ملامحهم تماماً ، في أيديهم أسلحة عديدة ما بين البيضاء والرشاشات الأوتوماتيكية ، بينما يقف خلفي شخص يقرأ كلام مبهم من ورقة يمسكها في يده !!

دون أي سابق إنذار أشعر بأن هناك سكين حاد يمر على رقبتي (أعلى الحنجرة تحديداً) بينما أنا أقع على جانبي وجسدي ينتفض بقوة مصدراً حشرجة عنيفة ..!

ثم لا شيء بعدها ..

ينقطع الاسترسال بهدوء وكأنه لم يحدث شيئاً !!

الأمر أشبه بلحظات الصمت التي تعقب انتهاء أحداث الفيلم الشيق ، ثم تليه الشاشة السوداء في الجزء المتبقي والفارغ من (شريط الفيديو) ..

الحدث الوحيد المتبقي هو أن أصحو مذعوراً والفزع يغمرني ..

ويا له من شعور قاسِ .


 

مشكلتي مع هذا الحلم أنني أراه من خارج جسدي !! أعني أنني أراقب نفسي كأنني أقف أمام نفسي فعلياً ، في نفس الوقت أنا أراه من داخلي !! إحساس غريب أن يكون الشخص في مكانين في نفس الوقت .. الأغرب أنه يراقب نفسه في مرة منهم ، ولا يشعر بها في المرة الثانية !!

تكرر هذا الحلم مرات كثيرة جداً ، وإن اختلفت درجة الإحساس كل مرة .. فأول مرة كانت شهقة الاستيقاظ من الحلم رهيبة جداً .. حتى أنني شعرت بالحد الفاصل ما بين الحلم والواقع !!

أنا أعلم تماماً أنني ذو عقل باطن مشاغب جداً ويهوى كثيراً أن يتمادى في الأحلام أثناء نومي ، فليس من المستغرب بأن أحلم بمباراة كرة قدم بين الآلهة التي قرأت عنها من قبل .. طبيعي جداً أن يفوز الفريق الذي يضم (رع) كمهاجم لا يستهان به ، بينما لا يكف (زيوس) عن الشكوى إلى حكم المباراة الذي يتمحور في كونه العظيم (آنوبيس) ..

ولكن .. لماذا يعذبني عقلي الباطن إلى درجة الإيحاء لي بأن هناك من يقومون بذبحي وبأدق تفاصيل المشهدية مع درجة مقاربة من آلام الذبح ؟؟!

هل لذلك علاقة بطريقة موتي ؟؟

هل سأموت مذبوحاً ؟؟

هل هناك صلة بين العقل الباطن وبين المستقبل ؟؟!
لا أظن !!

هل أعاني من مشاكل نفسية عميقة ترسبت بداخلي وتشكلت على هيئة هذا الحلم ؟!

كان علي اللجوء إلى عقلي الواعي من أجل الحصول على بعض الراحة الواقعية ، ومن ثم تقديم شكوى إليه من عقلي الباطن الذي يفسد علي راحتي في عالم الأحلام .. لذلك عقدت المحاكمة ووقف عقلي الباطن ذليلاً بين قفص محكم من معدن لا يمكن الهرب منه .. أنه المنطق !!

وبدأت المحاكمة ..

(أنا) هو القاضي ..

عقلي الواعي يقوم بدور المتظلم ..

بينما عقلي الباطن هو المتهم ..

في محاولة من عقلي الباطن للدفاع عنه نفسه ، طلب منا جميعاً أن نذهب للوراء قليلاً لكي يفسر لنا من أتى بهذه القسوة الغير مبررة ، وهو طلب وافقنا جميعنا عليه باعتبارنا كياناً واحداً وعشنا طفولة واحدة ..

وقد كان .


 

* * * * *


 

كنت في الخامسة من عمري عندما هممت بعبور الشارع المجاور لبيتنا !

نظرت يمينا ويساراً لأتأكد من خلو الشارع من السيارات المتوحشة كما علمني أهلي وقتها ..

توقفت عندما لمحت سيل جارف من السيارات التي تتسارع لعبور الشارع بأي طريقة وبمنتهى الرعونة .. شيء أثار استغرابي وقتها ولم أكن بالكفاءة العقلية للتحليل المنهجي لما يحدث أمامي !!

ثمة قطة صغيرة تمر بجواري بشموخ واضح وغير عابئة بوجودي .. كأنها لم تكتسب بعد غريزة الخوف الأعمى من الكائن الهمجي المسمى "الإنسان" ..

قطة تمشي والبراءة تقطر منها في كل خطوة ..

تركت مراقبة الطريق وقررت متابعة القطة بعينان يملأهما الفضول ..

كانت ناصعة البياض كلون الحليب (والذي بدأت في الامتقاع من طعمه وقتها) .. عيناها تنظر في كل مكان بمشاغبة وفضول واضح .. بطنها ممتلئ قليلاً كدليل واضح على انتهاءها للتو من رضاعة مشبعة من ثدي أمها.. ذيلها لا يعرف للسكون معنى ، فكان يتحرك في كل اتجاه مثل السوط الذي يتحكم به شخص مخبول !!

بدون سابق إنذار ..

مرت سيارة بسرعة وقريبة من الرصيف الذي أقف عليه ، وتابعت السيارة بنظري وأنا أتساءل عن غرض قائد السيارة الأحمق من الدنو من الرصيف هكذا طالما أن الشارع واسع الرحاب ؟! لعله واحداً من الذين حذروني منهم أبي وأمي قبل القيام بعبور الطريق !

عندما عدت بنظري إلى القطة ، وجدتها تتلوى وتنتفض بطريقة غريبة جداً علي ..

كانت أقدامها تتحرك بتشنج وبسرعة وهي نائمة على ظهرها كأنها تهرول على أرض خفية فوقها .. كان الدم ينزف من رأسها ببطء .. ومعالم الألم تبدو جلية على وجهها البريء .. ثمة مواء خافت يصدر منها بطريقة لم أألفها من القطط من قبل ..

بسبب تشنجاتها هذه راح جسدها يزحف إلى وسط الطريق .. وأنا أتابعها ببصري عاجزاً عن فهم ما يحدث !! ضربات قلبي بدأت في التسارع من القلق ..

ما الذي حدث ؟

ما الذي يحدث ؟

بطريقة ما وصلت القطة إلى وسط الطريق .. وقد زاد معدل تشنجها بطريقة لا معقولية ..

إلى أن خمدت حركتها تماماً واستقرت على جانبها في معمعة الطريق ..

لم أرى انفعالات معالم وجهي من الخارج .. ولم أثق كثير في مشاعري الدائرة بداخلي لحظتها ! كأنما ولدت مشاعر خاصة وغريبة على سنوات عمري الخمس في تلك اللحظة !!

لازال بصري شاخصاً على الجسد المسجي وسط الطريق ، وكانت تفصلني عنه بضع لحظات تمر فيها السيارات بنفس الرعونة ..

جسد القطة المسجي يظهر مرة أخرى ..

هذه المرة اختلفت معالمها كثيراً ..

فقد خرجت أحشاءها من مؤخرتها .. وبدا جسدها كأنه جزيرة صغيرة يحيط بها السائل الأحمر من كل الجهات ..

حتى لونها الأبيض قام بغزوه اللون الأسود القبيح .. لون القذارة والأوساخ الذي يملأ إطارات السيارات !

ما عادت القطة شقية بعد الآن !

بل صارت مجرد معالم مجهولة اختلطت بأسفلت الشارع ..


 

لازلت أنا الطفل ذو الخامسة من العمر واقفاً في الطريق ..

أحاول فهم أي شيء مما حدث ، لكن براءتي وقتها حالت دون فهمي !

فرفعت وجهي ببطء نحو السماء متسائلاً .. وفي نفس الوقت متسولاً أي إجابة شافية منها ..

وثمة دمعة وحيدة تسيل على خدي الأملس في بطء .


 

* * * * *

صرخ عقلي الواعي فجأة :

  • « أتذكر جيداً ما حدث ، أنه أول لقاء لي مع (الموت) ..

    وليس له علاقة بالذبح الشنيع الذي أتعرض له في نومي !!

    كما أن الميت هنا مجرد قطة ..

    والكثير منا اعتادوا رؤية جثث القطط والكلاب والفئران في الشوارع وهي مهروسة هرساً بسبب رعونة بعض قادة السيارات الذين لا يلقون بالاً بما اقترفوه .

    أعترف بأن الحادث كان بشعاً جداً لحظة حدوثه .. لكنه ليس مبرر لأن يخزنه عقلي الباطن بين ثناياه كل هذه المدة .

    ربما وقتها تساءل عقلي الواعي عن كنه الموت !! وحاولت الاقتراب من تفاصيله بدافع الفضول الذي يملكه أي طفل في هذه المرحلة العمرية ..

    ما هو الموت ؟؟!

    وكيف يموت الإنسان ؟!

    هل الموت مؤلم ؟!

    هل يشعر الميت بشيء بعدما يموت ؟!

    كلها أسئلة عادية جداً تناسب المرحلة العمرية للولادة الحقيقية للعقل الواعي والذي بدأ يتسلم مهامه في هذه السن .

    وتبقى التهمة ثابتة :

    من أين جئت – أنت – بهذه القسوة لكي تطبقها علي في منامي ؟!»

لم يعلق المتهم .. إنما نظر إلى القاضي في هدوء متجاهلا احتجاجي الثائر ، وبدأ في استكمال السرد الغريب .


 

* * * * *


 

هذه المرة كنت في الثامنة من العمر عندما اجتمعت أنا وأقاربي (المقاربين لي في السن) في الحديقة الخلفية لبيت العائلة .. كنا قد انتهينا للتو من صلاة (عيد الأضحى) وهرولنا عائدين إلى البيت في لهفة ، وباتفاق خفي ذهبنا مباشرة إلى الكائن الغريب الذي يقبع في الحديقة منذ ثلاثة أيام !!

الخروف !

مع أن معالم التباهي بالملابس الجديدة واضحة على وجوهنا ! إلا أننا لم نجد غضاضة في أن نمتطي ظهر الخروف في تحد لإظهار من هو أشجع صبي بين الأولاد!! حتى يأتي الكبار من (ساحة) صلاة العيد ..

عندها يبدأ الترقب الحقيقي لنا .. فبعد قليل سنشاهد حدثاً لا نراه إلا كل عام بالتمام والكمال ..

بالنسبة لي أنا كنت أراقب بهدوء – مشوب بالفضول – ذلك الشخص القادم مع خالي ..

كان يرتدي ملابس قذرة غريبة وقديمة لا تتناسب مع مناسبة العيد .. على حزامه كانت تتوزع سكاكين عديد ومن كل الأحجام !

وقفت أراقبه وهو يستل سكيناً صغيراً من حزامه ، وبدأ يحكه في شيء ما غريب الشكل ، مصدراً صوتاً شنيعاً لا يمكن احتماله .. عرفت فيما بعد أن هذه هي طريقة (سن السكين) !!

أمرني خالي بالابتعاد عن (الخروف) وإفساح المكان للجزار لكي يعمل في حرية ..

أطعت الأمر وجلست في أقرب مكان ممكن ، جلست على الأرض غير عابئاً بنظافة ملابسي الجديدة .. وبتركيز شديد راقبت الجزار وهو يهم بالبدء في عمله !!

أشاهده وهو يوثق أقدام (الخروف) بحبل متهرئ .. ثم يدفعه بقوة ليسقط على جانبه !

هنا يتحفز تفكيري أكثر وأكثر ..

أراقب السكين في يد الجزار .. وعين (الخروف) نفسه !!

كثيراً ما تساءلت فيما يفكر (الخروف) في هذه اللحظة ؟!

وهل يفكر الخروف أصلاً يا ترى؟!

السكين يقترب من عنق (الخروف) ..

الخروف يجاهد للوقوف مرة أخرى .. هذا ما يفسر محاولاته للتخلص من الحبل بكل عصبية !

الجزار يرفع عنق الخروف للأعلى ..

الخروف ينظر إلى يد الجزار الأخرى الممسكة بالسكين الحاد ..

وبدأ الجزار عمله ..


 

* * * * *


 

هذه المرة شرد عقلي الواعي – كعادته – وبدأ في الغمغمة بهدوء عقلاني :

  • « وما في هذا ؟!

    لست أول طفل يراقب ذبح خروف العيد !!

    أنه مشهد عادي جداً بالنسبة لأي أسرة عربية كباراً وصغاراً ، وهو طقس ديني مشابه لطقوس القرابين التي كانت تقدم في حضارات عدة سابقة .. أي أنه لا يقتصر على العرب فقط .. بل هناك حضارات تمادت في الأمر وقدموا (أضحية بشرية) في المناسبات الدينية الخاصة (أبرز مثال : حضارة المايا .. وحضارة والأزتك) .. وليس من الممتع أن تشاهد زعيم البلدة وهو يذبح الضحية المخدرة بحجر صلد بمنتهى الروتينية والرتابة ، ثم ينتزع القلب (يحتم الطقس أن تكون الضحية في وعيها أثناء خروج القلب !!) .. في بعض الاحتفالات الكبرى يصل عدد القرابين البشرية إلى ثلاثمائة ضحية .. وقد يستغرق الأمر ثلاث ليال كاملة !!

    هناك

    أيضاً قصة إبراهيم وإسماعيل (بعض الأقاويل تذكر أن إسحاق هو المختار للذبح وليس إسماعيل!!) .. وهذه القصة تعتبر مثال غير مكتمل للأضحية البشرية !!

    نعود إلى عيد "الأضحى" عندنا وطقوسه ..

    مدرس (الدين) وقتها أكد لي بأن الخروف لا يشعر بأي ألم وقت الذبح ، بل أنه يشعر بالسعادة عارمة لأنه يُذبح في عيد الأضحى وليس أي يوم عادي (هذا كان رأي مدرس التربية الدينية الذي كان يتلذذ بضربي طوال المرحلة الابتدائية بسبب أسئلتي التي لا تروق له !!) .

    بالطبع لم أقتنع بما قاله المدرس على الرغم من سني وقتها يحتم علي أن أكون مجرد (شوال) معلومات أحشو بها رأسي دون مناقشة .. وبقت ذكريات طقس الذبح ملازمة لذهني حتى بعد انتهاء (عيد الأضحى) ..

    أذكر أننا وقتها عبنا على أحد أقربائي عندما تملص من حضور الذبح "المقدس" .. وأطلقنا عليه لقب (خواف) إمعاناً في إذلاله أكثر وأكثر .. بينما كنا نتسابق نحن في إظهار شجاعتنا أمام الأقرباء !! لم ندرك وقتها الفرق بين الشجاعة وبين التهور المشوب بالاستهتار .. كنا مجرد أطفال نريد الفوز باحترام الأهل .. كنا أطفال نتعجل لاستحقاق لقب (رجال) ..! »


 

شرود أخر بعيداً عن المحاكمة :

على مائدة الغداء .. كنت أشرد كثيراً وأنا أكل اللحم المشوي الدسم ، كان شرودي مركز على الخروف .. تحديداً على حركة عينه عندما مرت السكين على عنقه ..

بينما ضروسي (اللبنية) تطحن لحمه في بطء ..


 

* * * * *


 

« حكمت المحكمة بإحالة أوراق المتهم إلى فضيلة المفتي ..»

العبارة الطنانة المملة والتي تعني شيئاً واحداً عند العامة :

الإعدام .

بدأت أعي على مفهوم الإعدام في عامي الحادي عشر ..

وكنت أعتقد في بادئ الأمر أنها تعني (إرسال المحكوم عليه إلى العدم) ! .. إلا أنني وجدت أن هذا المفهوم يتعارض مع معظم المفاهيم الدينية السائدة التي تؤكد لمعتنقيها حتمية وجود حياة أخرى بعد الموت !! تاريخ البشر يمتلئ بأنواع كثيرة جداً من الأديان ينتهي فيها المطاف بالخلود الأبدي في عالم أخر .. لذلك تختص كل ديانة بنوع وطبيعة الثواب والعقاب دون غيرها .. وصار عند البشر عدد لا بأس به من مفاهيم النعيم والعذاب طبقاً للمعتقد الديني الذي يعتنقه الفرد !

من أين جاءت كلمة (إعدام) إذن ؟!

(ما علينا) ..

ولنتكلم عن الإعدام طبقاً للتوزيع الجغرافي :

  1. في مصر يوجد نوعين فقط من تطبيق عقوبة (الإعدام) :
  • الإعدام بالشنق حتى الموت .

    وهي تطبق على المتهم (دون الاعتبار لديانته أو جنسيته) .. وهي تطبق على المدانين بالجرائم من العامة (قتل ، اتجار بالمخدرات .. الخ) .. ويقال أنها من أيسر الطرق للموت ، إذ يتوقف قلب المشنوق بعد فترة لا تتجاوز الخمس دقائق إذا كانت الأنشوطة معقودة بطريقة محنكة !!

    من حسن الحظ بأن عملية الشنق لا تتم بصورة علنية على الإطلاق كما كان يحدث في الدول الأوروبية قديماً .


     

  • الإعدام رمياً بالرصاص .

    ويتوقف استخدامها على المحاكمات العسكرية فقط .. وهي طريقة متبعة في معظم دول العالم .. وتطبق غالباً على مدبري الانقلابات العسكرية أو المتورطين في خيانات عظمى تمس الوطن ..

    ثمة مقولة تفيد بأن المحكوم عليه رمياً بالرصاص يخرج من عضوه الذكري بعض المني !! شيء غريب سمعت عنه ولست متأكد منه !!


     

  1. بعض الدول العربية لازالت متمسكة بالطرق القديمة في الإعدام وتصر على استخدام السيف .

    في رأي الخاص هي طريقة مقرفة ومهينة جداً للإنسانية حتى ولو كانت تطبق على المجرمين .. وقد سبق أن رأيت مشهد لتنفيذ الإعدام بهذه الطريقة ليقشعر بدني بعدها أياماً طوال من بشاعة وهول المشهد ، أكثر ما استفزني هو الجمهور الملتف حول الحدث ويصوره بكاميرا الهواتف المحمول وكأن ما يحدث هو ندوة ثقافية هادئة تدور حول فلسفة الجمال (ليس المقصود ذكر الناقة أو الإبل!!) .

    على الرغم من قسوة وبشاعة هذه الطريقة في الإعدام ، فأن جرائم القتل أو غيرها لم تختف من الوجود ، بل هي مستمرة بطريقة تثير الشك وتتساءل عن الرادع القوي لكبت جنون الإنسان .. هل هو الموت ما يخيفه ؟؟

    أم طريقة الموت نفسها ؟!


     

  2. في الدولة الكوميدية المسماة (إيران) تستخدم أنواع عدة للإعدام .. وهي من أكثر الدول التي يحدث فيها عمليات الإعدام بكل سخاء .. وإن كان الغالب عليها هي الشنق باستخدام الأوناش !!

    ويمنعني القرف بالاستمرار في الاسترسال عن هذه الدولة .

  3. بعض الدول " المتحضرة " قررت ابتكار طرق مخففة للموت .. منها (غرف الغاز السام ،الكرسي الكهربائي ، الحقن المسممة .. الخ) .

    وبعض الدول قررت إلغاء عقوبة الإعدام نهائياً وقررت باستبدالها بعقوبة الحبس مدى الحياة .. من وجهة نظرهم :لا يوجد أقسى من سلب حرية الإنسان وتحديد إقامته خلف جدران غرفة كئيبة وقذرة طوال حياته ليشعر بالندم على جريمته .

على الرغم من ذلك .. هناك طرق إعدام قد اندثرت بسبب انتهاء صلاحيتها بين عجلات التمدين والتقدم .. منها الإعدام بالغرق أو الحرق .. وهي طرق كانت سائدة قديماً ، وكان أوج استخدامها إبان العصر المظلم في أوروبا ، عندما كان الدين هو الحاكم وقتها .. لذلك كانت تطبق هذه العقوبات على من يتم اتهامهم بالهرطقة أو يثبت عليهم اشتغالهم بالسحر (أكثر ضحايا هذه التهمة من النساء!) .. ولابد أن أذكر أن الإعدام بالغرق هو من أشنع الطرق بشاعة ..

أيضاً تفرد العرب بعدة طرق متفردة بالإعدام .. وكان لهم باع طويل وغير مشرف في ابتكار طرق إعدام سادية تناسب أمزجتهم المرعبة !! فكان عصر الفاطميين والعباسيين والمماليك والسلاطين والعثمانيين متفرداً بطرق كارثية في الإعدام ، منها الإعدام بعصر الخصيتين حتى الموت (للرجال طبعاً !) ، والتنصيص (حز وسط المحكوم عليه بالإعدام بالسيف) ، الصلب ، الشنق .. وغيرها من طرق وضيعة لا أود ذكرها هنا ..

يبدو أن تاريخنا القديم أضيف له أطناناً من الأصباغ التي تواري سفالته وانحطاطه .. هنالك الكثير والكثير مما يقشعر له الأبدان من ماضينا قد قاموا بصبه في آذاننا ونحن صغاراً ..


 

* * * * *


 

  • « أمممم ..

    وهل يدرك المتهم (عقلي الباطن) كل هذه المعلومات ويحتفظ بها في ذاكرته لكي يعذبني بها أثناء نومي ؟؟

    يا لهول الشناعة التي تحتويها ذاكرتي عن طرق الإعدام ..

    ويا لهول البشاعة الموجودة في أخلاقيات الإنسان !!

    كيف يقتل الإنسان غيره ؟!

    وكيف يطاوع يمتهن غيره وظيفة القضاء على حياته ؟!

    كيف جاءت طرق الإعدام هذه إلى أذهان البشر ؟!

    من الأحمق الذي ابتكر المقصلة ؟!

    ومن فكر في طريقة الخوزقة (باستخدام الخازوق) كطريقة بطيئة ومريعة للموت ؟!

    كيف توصل أحمق إلى غاز (زايكلون بي) كطريقة للإعدام الجماعي ؟!

    كيف سنح للأقدمين أن يرجموا شخصاً بالحجارة حتى الموت ؟!

    من أول سادي فكر في عقدة حبل المشنقة ؟!

    لماذا ؟! .. ولماذا ؟! .. وكيف ؟!

    لماذا يستخدم الإنسان عقله في سبيل القضاء على غيره ؟!

    ما هي قصتك أيها "الإنسان" الأحمق ؟!

    لماذا تقضي على غيرك بهذه البشاعة ؟!

    السؤال الأهم :

    لماذا احتفظ المتهم في ذاكرتي بكل ما سبق ؟!
    »


     

* * * * *


 

الانتحار ..

فعل يحوي بين طياته نهاية للعذاب الذي يعيشه المرء في حياته بطريقة ذاتية لا دخل فيها للعوامل الخارجية المسببة للموت !!

السبب الرئيسي في الانتحار يكون – عادة – بسبب الأزمات النفسية التي تتزاحم في حياة الإنسان .. طالما ضلت النفسية طريقها ، فلابد أن يتضرر الجسد تأثيراً لذلك ..

الكثيرين اختاروا (نزع قابس) وجودهم من المصدر الطبيعي لطاقة الحياة ..

أنه الألم ..

القنوط ..

اليأس ..

الذل ..

الاستسلام لمتاعب الحياة ..

في اعتقادهم – أي من أقدموا على الانتحار – أن ألم لحظة يكون أهون كثيراً من آلام الحياة بأكملها !!

لذلك قرروا الهروب من الباب الخلفي ..

غالباً ما يترك المنتحرين رسالة ورائهم كنوع من التبرير لفعلتهم هذه .. أحياناً تكون بلغة يائسة حزينة مكسورة ، أو بلغة غاضبة لاعنة للعبث الهرائي المسمى (حياة) !!

الاكتئاب هو الدافع الأقوى للانتحار ..

ربما كان السبب عاطفي ، دراسي ، عملي .. إلا أن الاكتئاب هو المبرر الأول .

وأساليب الانتحار نفسها قاسية في بعض الأحيان ، وأحياناً تكون يسيرة !

البعض هلك بإلقاء نفسه من مكان عالِ (سطح بنياته أو شرفة غرفته) ، والبعض الأخر قرر رمي نفسه في مكان مائي عميق (من فوق جسر) ..

وآخرين اختاروا الأدوية الكيميائية (سواء بكميات كبيرة أو أدوية ذات أثار جانبية مميتة ) ..

وكثيرين جداً اختاروا السم كحل فعال وسريع وغير مؤلم (يقولون أن أجدرهم هما الزرنيخ و سيانيد البوتاسيوم !!) ..

والعجيب أن بعض البشر المرفهين قد قرروا الانتحار بسبب الملل !! أو بسبب بعض الفلسفات المتشائمة التي تهدف إلى إراحة الذات بذاتية مجردة !!

في حياتنا نسمع عن صيغ عديدة للانتحار ..

في اليابان مثلاً نجده موجوداً تحت اسم (هارا كيرى) .. وهو وسيلة انتحار معقدة تأخذ وقتاً طويلاً لإعدادها ، لكنها تتلخص في غمد سكين أو سيف في البطن طولياً .. طريقة قاسية جداً للموت ، لكنه غالباً ما يقوم به اليابانيين هروباً من عار معين طبقاً لعاداتهم الشيقة والغريبة .. أشهر من انتحر بهذه الطريقة هو الأديب والعسكري الحاصل على جائزة نوبل للآداب (يوكيو ماشيما) .. وهم يعتبروه مات بطريقة مشرفة !

أيضاً في اليابان اشتهر نوع من الانتحار الديني (كاميكازى) .. وكان في أوجه إبان الحرب العالمية الثانية وتكبدت بسببه أمريكا خسائر فادحة من الطيارين اليابانيين الذين كانوا يرتطمون بطائرتهم – بعد نفاذ الذخيرة – بمراكب الأسطول البحري ، وقتها كان الياباني يعتقد بأن واجبه أن يموت فداءاً لروح الإله المتمثلة في الإمبراطور وقتها (هيرو هوتو) ..

عندنا في الشرق الأوسط مفهوم مشابه للانتحار الديني وهو : الاستشهاد ، ويملك معظمنا فكرة لا بأس بها عن هذا النوع !!

ولا ننسى أيضاً الانتحار الوطني (الفدائية) .. وهو معروف بطريقة خفية لكل من يدخل حرب معرض فيها للموت في كل لحظة .

في وقتنا الحالي تتضارب بعض المسميات حول النوع الجديد الذي ظهر فجأة في العراق .. أنه خليط عجيب من (الاستشهاد الفدائي) وقد يؤيده البعض ويعارضه البعض الآخر .. لكن في الغالب يطلق عليهم الإعلام (الانتحاريين) .

وتطور مفهوم (الاستشهاد الانتحاري) في الشرق الأوسط بطريقة تواكب تطورات العصر الرقمي ، فالنوع الأشهر حالياً هو الحزام الناسف الذي يذهب بحياة المدنيين الآخرين (!!!) بكميات وفيرة .. وهناك نوع جديد بدأ في الظهور حالياً وهو تلغيم المؤخرة (وضع المتفجرات داخل فتحة الشرج) .. وقام بتجربته رجل سعودي وطالب نيجيري (الأول مات متناثراً كأشلاء لحمية وعظمية بديعة ، والآخر نجا لكنه تسبب في فضيحة كبيرة لنظم الأمن في المطارات الأمريكية !! ) .


 

* * * * *

المدعي بدأ في فقدان هدوء أعصابه ، وبدأ يصرخ بعصبية :

  • « دعني أتظاهر بالهدوء والعقلانية هنا ، سأحاول مستعيناً بفتات بواقي المنطق الذي أملكه حالياً في إيجاد علاقة إيجابية بكل حالات الموت التي سبق ذكرها .. وحاولت الجمع بين ذكريات الطفولة وبين معلومات في تفسير ما يحدث في ثنايا الكابوس الشنيع الذي يتكرر معي .. ولكن بلا فائدة !

    ما هي العلاقة بين ذبح الحيوانات وبين القتل والإعدام والانتحار بما يحدث لي أثناء نومي على فراشي ؟!

    هل يراوغ المتهم (عقلي الباطن) ؟!

    أنا أعهده ذكياً وخيالياً في أحوال كثيرة ، ولكن ما الذي يقصده في استرسالاته السابقة ؟؟!

    ولماذا تعمقت كثيراً في ثنايا الموت بهذا العمق ؟!

    فليتكلم المتهم ..

    لقد تعبت من محاولات الاستنتاج ..

    وها أنا أعلن الفشل ..

    فليتكلم المتهم ..

    فليتحدث عقلي الباطن بوضوح أكثر ! » .

هنا تنهد المتهم .. وبدأ في السرد بطريقة تختلف عن السابق .. يبدو عليه أنه يفكر هذه المرة ، على عكس ما سبق عندما بدا أنه يتذكر .


 

* * * * *


 

بدأت الحكاية – فعلياً – ظهر يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 .

عندما قطعت المحطات التليفزيونية برامجها المملة لتعلن ارتطام طائرة ببرج التجارة العالمي في مانهاتن .. وأخرى في مبنى البنتاجون ، وبعدها بقليل وعلى الهواء أيضاً جاء ارتطام الطائرة الأخرى في المبنى الأخر ، ليتهاوى العملاقين الأمريكيين على الأرض .

وقتها هلل الكثيرين عندنا فرحاً وطرباً ، وأيضاً بشماتة لا تخفى عن كل ذي عقل ، ففي نظرهم حدث التالي :

لقد تهاوى أنف أمريكا الظالمة والداعمة لدولة الإرهاب اللعينة (إسرائيل) في أسفل طبقات الذل والمهانة .. هذا ثأر محمد الدرة (هل تذكرونه ؟!) وغيره من أطفال فلسطين الأبرياء .. لقد جاء يوم أمريكا أخيراً .. لقد زهق الحق وجاء الباطل .

حتى ظهر الكائن (الخرائي) ليعلن مسئوليته عن الحادث ..

لقد جاء من يدعى (أسامة بن لادن) ..

وتابع الجميع صوره على التلفاز وهو يظهر بمنخاره الضخم ولحيته الكريهة ويتكلم بلهجته المقيتة والخنفاء ..

وفي لحظات صار هو البطل الذي طال ظهوره بالنسبة لنا .. والإرهابي رقم واحد بالنسبة للعالم كله ..

وعرفنا بعدها (الدلدول) التابع له والذي يدعى (أيمن الظواهري) ليتقاسم معه التصريحات (الخرائية) ما بين الحين والآخر ..

وراقبنا في شماتة ملامح (جورج دابليو بوش) التي تدل على غباء صارخ وهو يصرح ببدء فاعليات الحرب على الإرهاب في العالم ..

وبدأت الأمطار الصاروخية في الهطول على الدولة الكارتونية (أفغانستان) .. وسمعنا أكثر عن تنظيم القاعدة برئاسة (أسامة).. وحركة طالبان الفكاهية بزعامة (الملا عمر) ..

الكل يراقب القصف العنيف ، ويترقب ظهور البطل الجديد المتمثل في (أسامة) ..

لكنه اكتفى بالظهور كضيف شرف من حين لآخر ليطلق المزيد والمزيد من الوعيد لأمريكا الظالمة !

بعدها جاء الدور على دولة أخرى جاء دورها في قائمة الإرهاب :

العراق ..

ويعاد سيناريو القصف الجوي مرة أخرى .. والشرق الأوسط حائر ما بين الشجب والاستنكار وتنظيم المظاهرات والمقاطعة لدول الغرب (خاصة أمريكا) ، وحار أكثر في توزيع اهتمامه على القضية الفلسطينية أو الأفغانستانية أو العراقية ..

وتابع الجميع التصريحات العنترية لـ (صدام حسين) وتابعه خفيف الظل (الصحاف) وتضاحكنا نحن العرب على المصير الأسود الذي ينتظر (العلوج) الأمريكان فور وصول قوات المشاة الأمريكية الجبناء ..

وسمعنا في الوقت نفسه عن (الشيعة والسنة والأكراد في العراق) في خلطة غريبة ندركها لأول مرة في بلد مثل العراق !!

ودخل المشاة الجبناء وسط بغداد .. ويسقط رمز بغداد الشهير (تمثال صدام حسين) ليطارده العوام بالأحذية في الشوارع !

ثم ..

ظهر (الخرائي) الثاني ..

(أبو مصعب الزرقاوي) ..

خليفة (الخرائي) الأول (أسامة) في بلاد ما بين النهرين ..

عرفه الجميع عندما انتشر فيديو ذبح المهندس الأمريكي في العراق ..

وهناك تأكيدات بأن الزرقاوي نفسه هو من ذبح الرجل !

ولأن الزرقاوي يعاني من عقدة الخجل المتوطدة في نفسيته ، فلم يكن دائم الظهور مثل (لادن أو ظواهري) .. بل كان يكتفي بقطع الرؤوس فقط ..

ومن هنا ..

بدأت وسائل الإعلام تعلن عن اختطاف الكثيرين من المدنيين الأجانب في العراق مع عرض مقاطع لهم تثبت وجودهم مع أحدى التنظيمات الجهادية (كما يطلق عليها الإعلاميون) ، ثم العثور على جثثهم بعد ذلك وهي مقطوعة الرأس !

كثيراً ما تساءلت أثناء شرودي وأنا أشاهد الأخبار – مع المدعي الواعي – عن شعور الضحية وهي محاطة بهؤلاء الوحوش ! هل هناك باب ضئيل للأمل والنجاة ؟! أم أنه لا مناص من الشعور بالسكين وهو يقطع الأوردة ويحز القصبة الهوائية ؟!

ومرة أخرى ..

أمارس هوايتي العجيبة في التعرية والتجريدية ..

فهذا إنسان .. وهذا إنسان آخر ..

لكن كلاهما مصبوغان بشكليات عرقية ودينية ولغوية وجنسية ..

هل يمكن لفوارق الإنسان الشكلية أن تنصهر في بوتقة واحدة ؟!

هل حقق الإنسان أحلام الآلهة الموجودة في الأديان كلها ؟! أم أنه طاش وشذ عن القاعدة ؟!

هل لجميع الآلهة التي تزاحمت على نسب وجود الإنسان لها في العديد من الديانات أن تحتفظ بنفس هذا الإصرار كما في السابق ؟! أم ستتنصل منه وتتبرأ من صنعه ؟!

ربما أنا هنا متهماً في المحاكمة بصفتي العقل الباطن لشخص ما ..

ولكن ..

هناك مخاوف كثيرة أحملها بداخلي ..

وقد حاولت إخراج هذه المخاوف بين الحين والأخر على هيئة أحلام .. وقد أصاب بالجنون إذا لم أطلقها من بين براثني ..


 

فلتعتبرها المحكمة حادث قتل خطأ لفكرة ما سكنت بداخل طياتي .. مثلها مثل القطة التي ماتت أمام وعي الوليد !

أو حتى (أضحية) في سبيل عقلانية الكيان الذي أسكنه .. مثلها مثل الخروف الذي رأيته يذبح في مناسبة ما !

أو إعدام سريع لمعنى كريه كان وجوده يسبب الضرر على أفكاري الأخرى ، مثله مثل أي إنسان تعرض للإعدام .

لماذا لا تعتبرها المحكمة بأن هناك أحدى بنات أفكاري ترغب بالانتحار ؟! أوليس الانتحار في الحلم أقل ضرراً من أن تنتحر فكرة ما في عقلي الواعي ؟! هل من السهل أن تنتحر بنات أفكاري وأنا على قيد (الوعي) ؟!

فلتتخذ المحاكمة إجراءها معي ..

وأكرر هنا :

لم ولن أندم على أي مما فعلته .. بل هذا حقي على هذا الكيان الذي أشاركه مناصفة من الداعي (العقل الواعي) ..

انتهت مرافعتي ..

وانتهى دفاعي عن ما فعلت ..

وها أنا ماثل أمام القائد والقاضي هنا ..

فليكن الحكم بأي صورة .. فأنا أقبلها على أي حال ..

ففي محيط عالمي الخاص الكثير والكثير من الأمور أخفيها عن العقل الواعي لكي لا يصاب بالجنون .. بينما أنا في الظل أموت وأتعذب بطرق أشنع لكي لا يتعذب هو ..

لتكن – إذن – مشيئة القائد .


 

* * * * *


 

بعدما جاء دوري للتحدث في الأمر ، وبصفتي (أنا) القاضي والحاكم وصاحب الكيان ..

وبينما أراقب نظرات المدعي (العقل الواعي) وهو يراقب في ذهول المتهم (العقل الواعي) .. كان لابد من إنهاء الأمر بصورة عادلة ..

لذلك تكلمت بنبرات أحاول أن تبدو وقورة على قدر الإمكان :

  • « الجنون ..

    هو مصير الإنسان الذي يتصارع العقل الباطن فيه مع عقله الواعي ..

    كلاكما مساعدان لي في إدارة هذا الكيان ، وكلاكما متناصفان في المناصب .. لا يعلو أحداً على أحد بالنسبة لي ، فكل منكما له وظيفة محددة غير مسموح بالتقاعس فيها أو إبداء حماسة زائدة عن الحد ..

    العقل الواعي عليه أعباء كثيرة بالنسبة لوجوده هنا .. فهو من يتعامل مع العقول الواعية الأخرى الأجنبية .. أنه وحده من يتعامل حسب درجة كفاءة هذه العقول ويتشكل حسب القدرات العقلية الأخرى .. أي أنه أشبه بالحرباء التي تغير من لون جلدها حتى يتشابه مع لون الطبيعة المحيطة بها لكي لا تبدي أي شذوذ عقلاني ..

    فلو كان العقل الواعي الأجنبي الذي يتعامل معه محدود ويسيطر عليه الغباء ، فإن المدعي يتحول في لحظات إلى كيان بليد ورتيب يتناسب مع العقلية الأخرى المتعامل معها .. والعكس صحيح أيضاً .

    وأنا على ثقة بأن الكيانات الإنسانية الأخرى تفعل نفس الشيء .

    العقل الواعي هو وحده من يتقيد بالعادات والطقوس والمواريث التي تحيط بنا منذ الطفولة ..

    حيث تتحول التقاليد إلي سجن !

    والدين يتحول إلى سجن !

    والكيان المحدود لنا يتحول إلى سجن !

    هناك سجون كثيرة تحيط بالعقل الواعي .. وهنا يأتي دور شريكه : العقل الباطن ..

    فهو يمتاز بذاكرة جبارة لا تغفو عن أدق التفاصيل على عكس العقل الواعي .. كما أنه يتحرر من كافة السجون المحيطة بالعقل الواعي ..

    فمن السهل جداً أن يطير في المنام ..

    وأن يأكل ما يشاء ..

    وأن يتكلم مع من يرغب ..

    كما أنه يتحرر من الدوائر الأخرى التي تغلف العقل الباطن ..

    فلا دين محتوم عليه .. فجميع الأديان لا تجرؤ أن تكلف العقل الباطن بأي مهام .. وليس السبب في محدودية العقل الباطن أو قلة كفاءته .. إنما بسبب ثوريته ومشاغباته الدائمة ..

    حتى الضمير الذي يملكه الإنسان .. لا يمكن أن يعبر عن آرائه في تصرفات العقل الباطن ..

    من الواضح في هذه القضية أن المتهم قد عانى كثيراً من وجود الأسوار التي تحيط بالعقل الواعي .. فبدأ يعلن تمرده بالطرق التي تناسب قدراته ..

    لقد استغل العالم الذي يتوقف فيه قدرات العقل الواعي وهو المنام .. ومن ثم بدأ في عرض رأيه بكل اقتدار ..

    من الملاحظ لثلتنا أننا موجودين في كيان عربي ..

    مصري تحديداً ..

    هذا السور الذي يسجن قدرات العقل الواعي فقط .. ولا يستطيع أن يغيره كلما شاء ..

    وقد سأم الكثير والكثير من الواقع المفروض عليه .. هناك الكثير والكثير الذي يعترض عليه في صمت .. وقد أطلق صرخات يائسة إلى المتهم لكي توعز له بأن يخرجه من هذا الواقع !

    وكثيراً ما أفلح المتهم في مهمته ..

    ولكن ..

    المتهم كان يصطدم كثيراً بالواقع الذي يملأ جنبات العقل الباطن ..

    منها الواقع الذي يدور في مكان أخر ..

    القتل الغير مبرر ..

    الآراء المختلفة من جنسه الإنسان الذي ارتدى أثواب مصنوعة من العرقية والجنس والديانة .. فبدأ يتعامل مع غيره على هذا الأساس .

    الأحلام الذي تنتاب كياننا ما هي إلا صورة من عقدة الذنب ..

    فمن رأيناهم يقومون بالذبح يشاركون كياننا نفس اللغة والعادات والمفاهيم ..

    ولم يفكر العقل الواعي – لمرة واحدة – عن ذنب الكيان المذبوح !

    فبدأ بالثورة عليه لكي ينذره ويحذره من التعاطف مع المدانين ..

    نعم ..

    ليست وظيفة العقل الباطن هو ممارسة الجنس بفحولة آلهة الأساطير الغابرة لكي ينعم الكيان بقطرات لزجة تبلل الثياب الداخلية للكيان النائم في استكانة ووداعة ..

    ولا وظيفته أن يأكل الأطنان مما يشتهيه العقل الواعي في لذة مزيفة ..

    العقل الباطن حاول أن يحذر المدعي للتركيز في دوره ..

    ويا للعجب ..

    العقل الباطن هو من يقول للعقل الواعي :

    أستيقظ أيها الأحمق ..

    أنا أدرك ما يشعر به المتهم ..

    لذلك أنا أسحب منه لفظة : متهم ..

    فهو برئ ..

    وأنا أخرجه فوراً من القفص ليجلس بيننا ..

    ونتناقش ثلتنا في حرية بحثاً عن المتهم الذي يصلح لمعاقبته هنا ..

    هل المتهم هو عروبتنا نحن ؟!

    أم عدم عروبة الآخرين ؟!

    هل ديننا نحن هو المدان ؟!

    أم أديان الآخرين ؟!

    على عاداتنا نحن ؟!

    أم عادات الآخرين ؟!

    وحتى نعثر على متهم حقيقي .. سيبقى القفص فارغاً .. والمجال مفتوحاً للمزيد والمزيد من المحاكمات ..

    سنبحث معاً عن المتهم ..

    ولكن ..

    سنحاول معاً لأن نبحث عن الجمال ..

    تذكروا أننا نكمل معاً كيان مطلق ..

    ليس من المفروض أن نصمت على وجود السجون حولنا ..

    بإمكاننا أن نغير ..

    وبإمكاننا أن نتغير ..

    كل ما نشعر به هو ملك لنا ..

    فلماذا نركز على القبيح والأحمق في عالم الإنسان ؟!

    أدعوكم أيها الشقيقان أن تتحدا معاً ..

    فليس المتعة أن نقيم الجنة والنار في داخلنا .. هذا ليس شأننا نحن .. ولا هو شأن الآخرين كذلك ..

    انطلقا معاً ..

    دعونا نعيش ما تبقى لنا ..

    دعونا نعيش في الواقع والخيال كيفما أردنا ..

    لا نريد غباء ودماء وتعنت في وجودنا الداخلي ..

    لا نريد نزاعات سخيفة لا شأن لنا بها ولا طائل منها ..

    فليعد كل منكما لمكانه .. وليحسن إدارة موقعه ..

    هذا قراري ..

    وهذا حكمي ..

    وحتى إشعار أخر . ».