29‏/3‏/2008

رسائل !



عزيزي وائل عمر :

داومت في الفترة الأخيرة على الإطلاع على مدونتك الجديدة بعد أن تعرفت عليها عن طريق الصدفة البحتة ! تصفحتها في ذهول أول الأمر ! ثم باهتمام بالغ بعد ذلك !! وجدت فيها بعض الموضوعات التي لمست مشاعري كأنثى ! وبعضها لمست مشاعري كإنسانة ! وبعض المواضيع هزتني بعنف بالغ !!

على الرغم من ذلك اقتربت من شخصيتك أنت كثيراً .. وجدتك معي في بعض المواقف في حياتي الشخصية !

من فضلك لا تسألني كيف ! أنا فقط أكتب ما أشعر به !

عزيزي وائل عمر :

عرفت أخيراً وتيقنت تماماً أن ما أريده وأحتاجه هو موجود عندك !! لذلك دعني أستعير منك أسلوبك العجيب في الكتابة ، وأكتب لك قصتي أنا :

أسمي لمياء .. فتاة في الخامسة والعشرون .. وأحياناً يقولون (خمسة وعشرون ربيعاً) !

عندما وصفوني قالوا أني فتاة جميلة بكل المقاييس .. بل وأضافوا عبارة أخرى تثير خجلي نوعي ما وهي أني (رشيقة القوام)

علاقتي بأبي وأمي هي علاقة طبيعية للغاية ، فنحن نتعامل معاً بكل فطرة مولودة تجاه تلك العلاقة ، فأنا أحب أبي ، وأبي يحب أمي ، وأمي تحبني ، والعكس صحيح أيضاً !!

متفوقة في دراستي للغاية ، وأحظى بتقدير أساتذتي وزملائي معاً !

علاقتي بالله هي علاقة ملتزمة كما يجب أن تكون العلاقة بين العبد وربه ! باختصار شديد : متدينة والحمد لله !

كل من حولي يراني فتاة عاقلة ومرحة ومنطلقة للحياة !

تاريخي العاطفي محصور في علاقة واحدة مع شاب .. أحببته في مرحلة مراهقتي !! وعندما نضجت اكتشفت عبث هذه العلاقة تماماًَ !! فكانت نهايتها غير مأسوف عليها !

فتاة عادية .. أليس كذلك ؟

دعني أخذك الآن في رحلة إلى الجانب الأخر من لمياء ..

الجانب المظلم فيها !!

المكان الخفي بداخلي .. والذي لا يراه الناس أبداً !!

لذلك دعني أبدأ من جديد في تعريف نفسي لك !

الشيء الوحيد الثابت هنا هو اسمي !!

لازلت أدعي (لمياء) !!

عندي (خمسة وعشرون خريفاً) .. تتساقط فيها الأيام كأوراق الشجر الجافة على أرضية عمري كل يوم بلا أسف !

ولذلك شعرت بهم خمسة وعشرون خريفاً !!

أعتبر نفسي كئيبة للغاية !! وأبحث عن تلك الفتاة التي يقولون عنها (مرحة ومنطلقة) .. فلا أجدها داخلي !!

حتى أني أحياناً أنظر في مرآتي لأبحث عن الجمال الذي يرونه في .. لكني لا أجده !! فقط أرى انعكاسي على تلك المرآة ..

مجرد أنا لا أكثر !!

حتى جسدي الذي يرونه ممشوقاً ورشيقاً .. أشعر به كامتداد لكينونتي لا أكثر !! لم أتبع يوماً نظام غذائي معين !! أو حتى حمية موصوفة للتخسيس !! إلى أخر هذا الهراء المعرف لك طبعاً .. أنا أكل ما أريد .. في أي وقت أريد .. دون قلق حقيقي على مصير ذلك الجسد !!


أبي وأمي ؟؟

هل ستصدقني بأني حائرة في وصف تلك العلاقة ؟

أحياناً أحبها وأحن لهما !!

وأحياناً أخرى أشعر بأني أكرههما وأريد الابتعاد عنهما بأي طريقة!!

مشكلتهما أنهما يتعاملان معي لتلبية رغباتي فقط .. فأنا أبنتهما الوحيدة !!

لا أنكر أنهما قاموا بتلبية جميع طلباتي .. ولكنها المتطلبات الشخصية .. وليست النفسية !!

لاحظت أنه معاملة أمي تغيرت معي عندما بلغت سن العاشرة .. فبدأت تعاملني كأني امرأة في الحادية والثلاثون .. إذا أردت الخروج واللعب مع جيراني .. نهرتني بلا سبب وتقول لي أني أصبحت كبيرة الآن .. وليس من الملائم أن ألعب في الشارع مع الأولاد .. طبعاً كان صعب أن أفهم أسبابها هي في سني الصغيرة !!

حاولت الاقتراب من أبي كثيراً .. ووجدته يتعامل معي بغرابة كأني جديدة عليه !!

لذلك بدأت أتخذ اتجاهي الخاص في الحياة عندما كنت في الحادية عشر من العمر !!


أحياناً أفكر في الله !!

هل أنا أحبه ؟؟

أم أخاف منه ؟؟

أم أكرهه ؟؟

ولكي أهرب من تلك الأفكار .. فأني أهرع للصلاة كي أطرد وسواس الشيطان من رأسي .. أصلي أي صلاة .. بأي عدد من الركعات .. أريد فقط ان أكون بين يديه .. وأن يغفر لي حماقتي !!


أما دراستي وتفوقي : في ببساطة أني أهرب من الواقع المحيط بين دفتي الكتب .. لا يهم مضمونها بالنسبة إلى .. ببساطة أعتبر رأسي جوالاً أو كيساً كبير .. وأعب فيه المعلومات عباً !! مع قليل من الاستيعاب !

هذا كان جزءاً من الجانب الأخر لدي !!

عزيزي وائل عمر :

ذكرت لك في أول رسالتي أن ما أحتاجه هو عندك !!

لذلك أطلب منك أن تعلمني كيف أعيش !!

كيف أبدأ من جديد !

وتأكد بأني واثقة تماماً من قدرتك على هذا !!

أعرف هذا من خلال مواضيعك في مدونتك عن الجمال والفلسفة والمنطق ..

إضافة إلى غرابة شخصيتك في بعض الأحيان !!

كلها تقود إلى إنك تعرف حل مشكلتي هذه !!

بانتظار ردك على أحر من الجمر !!

تحياتي لك !

لمياء !

*****************************************************

العزيزة / لمياء .

أصابتني صواعق الدهشة أثناء قراءتي لرسالتك هذه !

إذ لم أفهم ماذا تريدين مني أنا بالتحديد ؟؟

هل قال عني أحد أني سأنظر في بلورتي السحرية بتمعن وأقول لكي عن حل مشكلتك هذه ؟؟

أم أنك تتوقعين بأنك ستتلقين علبة مغلفة وأنيقة عليها توقيعي .. وعندما تفتحينها ستجدين فيها (خاتم سليمان) وقد عدلت مقاسه ليناسب أصابعك ؟؟

أرجوا مراجعة اسم مدونتي يا لمياء !!

(عرين الغضب) ..

وليس برنامج (ماذا تفعل لو كنت مكاني) !!

كيف سمحت لكي نفسك بإرسال خصوصياتك لشخص لا تعرفينه ؟؟

هذا موقع شخصي لا أكثر !!

أكتب فيه عما يتراءى لي وحدي !

ومن خلال منظوري الشخصي !!

وعليكي أن تعلمي تماماً بأني لست مؤهل لحل مشاكل غيري !! تكفيني مشاكلي الشخصية !

لذلك أرجو الانتباه لهذا جيداً !

وائل عمر !

*****************************************************

عزيزي وائل عمر :

لم أعرف عنك أنك متلبد المشاعر كصخرة صلدة !!

أصابتني صدمة بالغة من ردك السابق على رسالتي !!

وبكيت كثيراً بعدها !!

ولكني سأتحملك أنت وحماقتك !!

لأني أؤمن بأن ما أريده هو لديك أنت فقط.. وعليك أن تعي هذا جيداً ..

أنت من سيحل مشكلتي ..

فمن فضلك لا تكن قاسياً في ردك .. فأنت تكلم بقايا إنسانة تحاول لملمة بعثرة كينونتها !

حاول معي مرة ثانية !

في انتظار ردك !

لمياء !!

*****************************************************


العزيزة لمياء :

إلى الآن لست واثقاً إن كانت رسالتك هذه مجرد مزحة منك لغرض التسلية ؟؟ أم هي فعلاً حقيقية ؟؟

حتى وإن كانت حقيقية ..

فأنتي تطلبين مني إزالة بقعة طلاء من فوق بالون مطاطي باستخدام مشرط حاد !!

أخشى الكلام معك في مشكلتك هذه يا عزيزتي لمياء ..

فأنا لا أعرف ظروفك ..

أقصى ما أفعله معك هو أن ألفت نظرك لضرورة معاودة الإيمان بذاتك أنتي !!

وبعدها سيبدأ كل شيء !

فقط حاولي أن تبدئي الآن !

واعتذر اعتذاراً صادقاً إن جرحك ردي في الرسالة السابقة :

أنا أسف !

وائل عمر !

*****************************************************

وائل ..

كلمتني عن الإيمان بذاتي !!

وانا أسألك : كيف ؟

كيف أومن بذاتي ؟؟

وأنا أحاول التخلص منه ..

فكرت كثيراً في الانتحار .. ولكن حسي الإيماني يمنعني وينهرني بشدة ..

ولكني لم أكف عن البكاء !!

ساعدني يا وائل ..

أرجوك ساعدني !!

لمياء !!

*****************************************************

لمياء ..

دعيني أولاً أن أدعوك (حمقاء) في هذه الرسالة !!

ثم أسألك سؤال : هل يوجد حدث عاطفي في حياتك الآن ؟

ثم أدعوك للقيام بأمر بسيط جربته أنا ونجح معي :

إذا كنتي تقرئين رسالتي هذه في الصباح ..

فأريدك أن تغمضي عينك ، وتأخذي نفساً عميقاً وتكتميه في صدرك .. مع استرخاء تام لجسمك (الممشوق) ..

ثم تحاولي التركيز !!

أريدك يا (حمقاء) أن تبتعدي عن دائرة الوجود المعتادة حولك ، إنسي تماماً إنك لمياء .. إنسي معالم غرفتك التي تجلسين فيها ..

حاولي الخروج بعقلك من شباك أو بلكونة غرفتك .. حاولي الوصول لأقرب شجرة بخيالك ..

وركزي جيداً على شيء واحد :

هل تسمعين صوت زقزقة العصافير من حولك ؟؟

!!!!

إما في الليل :

أريدك أن تقفي في البلكونة .. وتنظري للسماء !!

وبنفس خطوات المرة السابقة ..

ركزي على أحد النجوم بعينها ..

ثم أغمضي عينيك ..

وتخيلي أن هذا النجم يقترب منك ..

وأنتي تقتربي منه ..

حجمه يتضاعف مرات ومرات ..

وتتساقط الجاذبية من حولك أنتي ..

أنتي مجرد فراغ يذوب في العدم ..

في انتظار ردك يا حمقاء (أتمنى أن تكون هذه أخر مرة أذكر فيها هذه الكلمة) !

وائل !

*****************************************************


شيء غريب حدث أثناء النهار عندما نفذت ما طلبته مني يا وائل !!

برغم ما كنت أمر به .. إلا أنني فوجئت بوجود عصافير في منطقتنا .. بل وبالقرب من المبني الذي أسكن فيه !!

فجأة سمعت صوت العصافير ..

كثيرة يا وائل ..

ركزت أكثر فيها ..

فوجدت أن كل عصفور له (زقزقته) الخاصة التي يعبر فيها عن نفسه !!

الشيء الغريب أني تخيلت أنني الشجرة .. وهم يطوفون من حولي .. ويقفون على ذراعي الممدودة لهم ..

كان هناك عصفور شقي .. يقوم بمناورات شقية من حولي .. عصفور له روح قطة مجنونة !!

دعني أصارحك بأني أطلقت على هذا العصفور اسمك أنت يا وائل ..

بالنسبة للنجم ..

اخترت أن يكون النجم هو (فينوس) ..

ويشرفني بأن أقول لك بأنني اقتربت كثيراً من (فينوس) وهدأت نفسي بعدما عددت من رحلتي هذه !!

هل تعرف أني لأول مرة منذ فترة طويلة لم تبتل وسادتي بدموعي !!

بل نمت وأنا أتخيل صوت العصافير وأنا في رحلتي إلى فينوس ..

أتمنى أن لا يصيبني الخبال قريباً ..

بالنسبة لسؤالك عن الحدث العاطفي ..

بعد مراهقتي .. قررت أن أنبذ الشعور بالعاطفة أو الحب !! لأني اعتبرتها ضعف لا أكثر ..

ربما هو جبن مني !

لكني كنت أشعر أحياناً بأني صحراء جدباء تحتاج للمطر .. ولكنها تتوجس منه لظنها بأن قطراته لها وقع عليها كسكاكين من السماء !!

هذه الأيام بدأ شيء ما يولد داخلي تجاه أحد الزملاء ..

ربما بسبب اهتمامه البالغ بي ؟؟

أو لنظراته البريئة إلي ؟

لا أعرف ..

بعض الأحيان أضبط نفسي متلبسة وأنا أفكر فيه !!

هل هذه هي العاطفة الناضجة يا ترى ؟

في انتظار ردك يا وائل ..

لمياء ..

*****************************************************

كم أنا سعيد يا لمياء من أجلك !

لقد نجحتي في إزالة بعض الصدأ من داخلك ..

خطوة عظيمة حقاً ..

عليكي بالاستمرار يا عزيزتي ..

طاردي الجمال من حولك أينما وجد ..

واعرفي أنه حتى في القبح ذاته جمالاً .. لأن لو كان كل شيء جميل ، لاختفى معنى الجمال !!

سأدعك تبحثين عن الجمال الذي بداخلك أنتي .. ثم توسعي دائرة البحث أكثر فأكثر ..

أنا واثق بأنك ستجدي الكثير والكثير لتكتشفيه !!

بالنسبة لوصف الصحراء الجدباء هذا !

هل فكرتي يا عزيزتي كيف تنبت الأرض ؟؟

قبل البذر علينا بالحرث ..

ربما كانت الأمطار هي سكاكين من السماء ، لكنها ستحرث بقايا الحب السابق .. ثم ترويه بقطرات الماء وهي العاطفة .. ثم تتكون بعدها بذرة الحب ..

يا حمقاء .. لا تفكري كثيراً..

فقط بادلي المشاعر بالمشاعر ..

الابتسامة بالابتسامة ..

وأنا واثق بأنك لن تتجاوزي حدود الأدب ..

فقط دعي سحب الأمطار تتكون !

أعطيه فرصة يا لمياء ..

جربي يا عزيزتي !

وائل ..

*****************************************************


عزيزي وائل !

(ابتسامة عريضة للغاية) ..

أخيراً يا وائل عرفت ..

عرفت أخيراً قيمة الحياة ..

عرفت معنى البسمة ..

عرفت طعم الأمطار مرة أخرى ..

شعرت بنفسي مرة أخرى !!

لقد عادت لمياء يا وائل ..

عادت كما وصفتها لك في النصف الأول من رسالتي الأولى لك ..

وبدأ النصف الثاني من الرسالة يتلاشى شيئاً فشيئاً !!

بدأ الجانب المظلم يرحل يا وائل ..

وكل هذا بسببك أنت ..

كنت واثقة فيك يا عزيزي !!

بالمناسبة :

لقد نبتت البذرة .. وبدأت تنمو يا وائل ..

أنا أحبه !!

وهو يحبني !!

يحبني كثيراً يا وائل ..

لقد قالها لي بكل رقة وعذوبة !!

ما أجمل مطر كلماته ..

أه يا وائل ..

هل جربت سماع أغنية (أنت عمري) لأم كلثوم يا وائل ؟؟

ما أجملها ..

دعني أنصحك بسماعها !!

أنا أسمعها الآن ..

بل أني أعيش فيها ..

لمياء !

*****************************************************

عزيزتي لمياء ..

دعيني أصحح خطأ ورد في رسالتك الأخيرة ! :

(وكل هذا بسببك أنت ..

كنت واثقة فيك يا عزيزي !!)

التصحيح :

بل كنتي واثقة في نفسك أنت .. كنتي تعرفين بأنك ستخرجين من تلك المشكلة بأي طريقة !!

الأمر بسيط للغاية ..

أليس كذلك ؟؟

بالنسبة لأم كلثوم ..

للأسف أن لا أهوى سماعها كثيراًُ ..

ولكني أحب أغنية (أنت عمري) ..

بالذات المقطع التي تقول فيه :

انت عمري اللي ابتدي بنورك صباحه

ولكني أعدك بأني سأحاول الاستماع لها مرة أخرى .. وأبحث فيها عن الجمال ..

وائل ..

*****************************************************


عزيزي وائل ..

شكرا ..

لمياء .

*****************************************************

لمياء :

تحت أمرك في أي وقت ..

وائل !



25‏/3‏/2008

الصحوة !















- هو فين ؟

دوت هذه الصيحة في أرجاء مدونتي بصوت عالي !! بدت غاضبة وساخطة للغاية .. حتى أنها وصلتني وأنا منزوي في هذا الركن النائي عند أطراف (عرين الغضب) .. أجفلت قليلاً وأصبت بالخوف من صاحبها !! من هذا الذي اقتحم مدونتي غاضباً هكذا .. أهو الغضب فلت مرة أخرى من عرينه ياترى ؟

وقمت استكشف ما يحدث في بطء ..

فوجدت شخصاً له ضعف حجمي يتجه إلى في إصرار .. ملفوف بالظلام الذي فرضته على عرينتي بعدما أصبت بالاكتئاب والعزلة في الفترة الأخير !!

وعندما أقترب مني أكثر .. وضحت ملامحه تماماً ، أنه أنا !!

أنا ولكن بملامح الغضب والشراسة !

وقف أمامي والشرر يتطاير من عينه وقال :

- أنت حتستهبل كدة كتير ؟

- ؟؟؟

- أنا مش بكلمك يا بني آدم أنت ؟؟ رد عليا ! حتفضل كدة لحد أمتى ؟؟

- أنت عايز أيه ؟

- عايزك تتعدل وترجع زي ما كنت في الأول .. أيه دور الاستهبال اللي انت عايش فيه ده ؟ عامل نفسك مكتئب ومضلم الدنيا حواليك .. حصل أيه يعني عشان ده كله ؟؟

- وأنت مالك أنت ؟

هوت يده على خدي الأيسر بصفعة قوية جداً ومؤلمة .. أدارت رأسي إلى اليمين بعنف .. ووقف يتأملني وأنا أقف ساكناً ..

- حتى مش قادر تتدافع عن نفسك .. كنت متوقع إنك ترد الضربة .. أو على الأقل تصدها .. بس يا خسارة .. طلعت ضعيف جداً .. انهزامي بطريقة مثيرة للشفقة ..

نظرت له ولم أدري بما أرد عليه ! فأكمل هو :

- وعامل مدونة أسمها (عرين الغضب) .. وبتتفلسف على الناس .. والناس فاكرينك متأمل .. وأنت حتة بتاع قاعد في الضلمة .. أخص عليك .. أنا ماكنتش فاكرك ضعيف للدرجة دي !

- أنت عايز أيه مني .. أمشي أطلع برة .. غور في داهية يا أخي !! أنت مالك ومالي .. أنا حر .. أعمل اللي أنا عايز أعمله .. هو أنت شريكي يا أخي ؟

صفعة أخرى منه على خدي .. تحديداً على نفس المكان ..

الوجع أصبح مؤلم للغاية ..

غضبه هو تضاعف .. لدرجة إنه صرخ في قائلاً :

- أتكلم كويس .. أنا مش حستحملك كتير .. بلاش سفسطة على الفاضي .. قوم ياللا .. افتح شبابيك حياتك وأطرد الضلمة .. وبالمرة أكتب بالفصحى مش بالعامية ؟

نفس عميق مني ..

ثم قلت ببرود :

- وهل ترى فائدة من كل هذا ؟؟ كل ما يحدث هنا هو عبث .. مجرد عبث .. ندور حوله كالبهائم في الطاحونة .. لا فرق سيحدث .. ولن يتغير شيئاً !

وتوقعت منه صفعة ثالثة !!

إلا أنه قال:

- لماذا لا تتخلص من سلبيتك هذه ؟؟ ما الذي حدث لك يا عزيزي ؟

- منذ متى أصبح التفكير الواقعي سلبية ؟؟ هه ؟ لماذا تسمون حساب الواقع والأمور المترتبة عليه يأس ؟؟

- كيف يتكلم عن الواقع والمنطق شخص كان يجلس مدة طويلة منزوي ومنطوي في أقاصي الأركان ؟؟ أتخدع نفسك يا أحمق ؟

- أرجوك أتركني.. فأنا لا شأن لي بملاقاتك الآن .. عد إلى مرة أخرى .. عندما أتحسن !

هنا جاءت الصفعة الثالثة ..

- هل بدأت في التحسن الآن ؟

- ماذا تريد مني ؟؟ لماذا أنت قاسي هكذا ؟ أنا ضعيف .. مكسور.. محطم .. منثور .. مزلزل .. هل ارتحت ؟

- لا .. لم أسترح بعد .. لقد عزمت النية أن أقتلك أو أدعك تقتل نفسك .. أو تعود كما كنت !

- الموت ؟ نعم .. الموت هو علاجي .. سأقتل نفسي الآن كي أستريح !!

أخرج من معطفه خنجراً ماضياً وأعطاه لي ببساطة :

- تفضل ..

أخذت منه الخنجر وأنا أرتجف ..

مددت يدي وصوبت نصله على موضع قلبي الذي بدأ يتسارع في قلق .. واستعدت لتوديع الحياة ..

سأموت الآن ..

هنا ..

أغمضت عيني وأصدر عقلي إشارة تنفيذ الحكم ..

حكم الإعدام ..

إعدامي أنا !!

إلا أني يدي وقفت كما هي بلا حراك ..

وسمعت ضحكته الساخرة الشامتة ..

- هل رأيت أنك مجرد جبان ؟؟

انهارت أعصابي وفلت الخنجر من قبضتي وبدأت أبكي في حرقة ..

أزاح هو الخنجر الملقي على الأرض بقدمه بعيداً ..ثم قال :

- صدقني .. علاجك هو الحياة .. وليس الموت كما تظن !

- وكيف أعيش وقد فقدت كل شيء ؟؟

- صدقني أنا مندهش تماماً كيف يصاب شخص مثلك بالاكتئاب.. أنت ترى الجمال حولك بشتى الطرق .. في السماء ، وفي اللوحات ، وفي الموسيقى والأغاني , في الشوارع ، حتى في الناس .. يا أخي كيف تجد الوقت لتشعر بالحزن ؟؟ ولماذا لا تشعر بالجمال بداخلك أنت ؟

- هذه طبيعتي أنا .. ولا شأن لك بها !

- حاول أن تتأمل في بلدك .. في الناس .. أنشر ما بداخلك .. ولا تكتمه !!

- مرة أخرى : هذا ليس من شأنك .. قررت العزلة إلى الأبد .. بل إلى أجل غير مسمى .. أنا حر ..

ابتسم ابتسامة خبيثة ..

- وماذا عن (هي) ؟؟ هل ستتركها ؟؟ هل ستيأس منها هي الأخرى .. هل ستنتظر حتى تمل منك .. وتذهب لأخر ؟؟ وينظر إلى عينيها ويتأمل فيها .. ثم يقول لها : (كم هي جميلة عيناك يا حبيبتي !) ؟ هل ستتحمل ضحكاتها البريئة إلى شخص أخر ؟ هل ستتحمل أن تقول أبنتها لها (يا أمي) وتقول لشخص أخر غيرك (يا أبي) ؟؟ هل ستتحمل أن تتضرج وجنتيها خجلاً أمام شخصاً أخر ؟؟ هل ستتحمل أن تقول أحبــ .....

قاطعته بلكمة قوية على وجهه ألقته للوراء بعنف ..

وقلت له والغضب يتقافز على وجهي في جنون مسعور :

- إياك أن تتكلم عن (هي) مرة أخرى أيها الحقير ..

قلتها وأنا أقف منتظراً وقوفه لندخل في عراك مصيري ..

أعترف بأني لا أخشاه بعد الآن ..

بل أعترف بأني لا أخشى أي شيء أساساً ..

وقف هو بهدوء .. ووضع أصابعه على جانب شفته السفلى ، ثم وضع أصابعه نصب عيناه ويتأمل الدماء الناتجة من الجرح الغائر في شفته أثر لكمتي المباغتة ..

- حمداً لله على عودتك مرة أخرى ..

قلت له وأنا أجز على أسناني :

- إلا (هي) .. هل تفهم كلامي ؟ إلا (هي) .. مهما كان شأنك عندي .. فلا شأن لك بـ (هي) !!

- استطيع أن أتفهم هذا يا عزيزي .. اطمئن !! فلن تتكرر مرة أخرى !!

أرخيت قبضتي المتحفزة .. وأومأت له في تفهم !!

وأشار لي بأن أتتبعه ..

- إلى أين ؟

- علينا أن نزيل تلك الستائر السوداء من على نوافذ (عرين الغضب) .. بعد قليل سيتوافد الزوار إلى هنا .. نريد أن ندخل النور إلى هنا .. ونزيل تلك الرائحة العطنة الكريهة المسماة (اليأس) .. هيا يا عزيزي .. فالدوار بدأ يصيبني جراء لكمتك لي !

- لكمتي ؟؟ وماذا عن صفعاتك أنت ؟؟ هل كنت تعمل مخبر في أمن الدولة ؟؟ أو في أقسام الشرطة في المناطق العشوائية ؟؟

- لا ..

بدأنا نزيح الستائر الداكنة ..

وبدأ النور يولد مرة أخرى ..

سمعت موسيقى الغضب .. والتي تبدأ تلقائياً عند فتح المدونة !! لا أخفي أني شعرت بحنيني لها مرة أخرى ..

وسط كل هذا تذكرت شيئاً .. فاستدرت له وسألته :

- هل يجب أن أشكرك بعد كل هذا ؟

انتهى هو من نزع أخر ستارة .. فالقاها بعيداً ونظر إلي .. ثم قال ببساطة وهو يبتسم :

- لا !

24‏/3‏/2008

قصة لم تنتهي !

فى أحد الأماكن الهادئة على النيل .. كانت تجلس (هي) وحيدة ..

أحياناً تتأمل النيل بعمق نفسي جارف .. وأحياناً تنظر إلى السماء في صمت خاشع ..

منذ ساعتين تقريباً كانت تتابع غروب الشمس من مكانها هذا !! كانت مشدوهة بكل حواسها إلى هذا المشهد التي تعتبره قاسي نوعاًً ما .. (هي) تراه حرباً تدور بين السماء والشمس .. الكل يتكالب على الشمس لطردها من عرشها الأبدي .. رأت الظلام يحاصر النور .. وشاهدت الشمس وهي تتقهقر رويداً .. تنسحب أخذه معها النور في انكسار ، ويهلل من حولها الظلام في نشوة النصر اللحظي .. الشمس تنحني وتنحني .. والظلام يطلق صيحات الفوز ويهرع لتقسيم السماء كغنيمة بين حلفاءه !

تأثرت (هي) ولم تشعر بدموعها المنهمرة في صمت .. وكأنها ترثي الشمس التي استشهدت في معركتها هذه ..

ورغماً عنها بدأت تسبح في دوامات من الذكريات .. تحاول أن تقطعها بين الحين والأخر بالنظر إلى السماء السوداء .. ولكن بلا أمل .. تتنهد في صمت !! وتحاول أن تركز مع خرير النيل .. ولكنه بدا لها كالأخرس .. لا صوت لسريانه .. كأنه قرر التسلل بعيداً عن ذكرياتها تلك ..

- من فضلك .. الكرسي ده مشغول ؟؟

نظرت (هي) بتلقائية إلى مصدر الصوت .. ووجدت مصدره شاب يقف وراء المقعد المقابل لها مبتسماً في هدوء منتظراً ردها على سؤاله ..

فتنهدت مرة أخرى وأشارت له ببساطة أن يأخذه .. وإن دهشت عندما وجدت أماكن كثيرة غير مشغولة حولها ..

فوجئت به يسحب الكرسي قليلاً ، ثم جلس في بساطة أمامها على نفس طاولتها ..

وجدت نفسها تلقائياً تحتد وتسأله في عصبية :

- أنت فاكر نفسك بتعمل أيه ؟؟ احترم نفسك وقوم من هنا حالاً .. أيه قلة الأدب دي ؟

خفتت ابتسامته قليلاً وإن لم تختفي كلها .. وظهرت جدية واضحة وجهه وهو يقول :

- قبل أي حاجة .. بصي كويس على ملامحي .. هل أنا باين عليا شاب من أياهم ؟؟ هل شكلي باين أني لزج وجاي أتعرف والكلام الفارغ ده ؟؟ أنا عارف إن حضرتك محترمة جداً جداً .. وعارف أنه مش مناسب أني أقطع عليكي جلستك دي ..كل دي حاجات مفروغ منها تماماً !

نظرت للأرض في استسلام غريب ..

فعلاً ملامحه تؤكد أنه جاد نوعاً ما .. توجد صرامة في عينيه ، مع مسحة من الأدب في كلامه .. حتى مظهره العام لا يتشابه مع رواد هذا المكان الذين في مثل سنه .. باختصار هو لا يبدو رقيعاً !!

فوجئت به يكمل حديثه قائلاً :

- عموماً أوعدك أني مش حطلب منك أعرف أسمك ولا رقم تليفونك .. عشان تتأكدي بس ..

صمت قليلاً , ثم أردف قائلاً :

- بعدين أنا جيت عندك عشان ألبي نداءك لي ..

انتفضت وقالت :

- أنا ؟؟ لا والله ما حلصش !! أنا ما اتكلمتش أساساً ..

ابتسم لها .. وأشار لها بيده أن تهدأ قليلاً .. وبدأ يشرح :

- في الحقيقة أنا كنت موجود في الترابيزة التي أمامك .. وكنتي جالسة ورائي .. ولكن فجأة لاحظت أن شيئاً غريباً يحدث من وراء ظهري .. فالتفت أول مرة من وراء كتفي ، فوجدتك .. ولم أشأ أن أتطفل عليكي إطلاقاً .. فعدت لجلستي مرة أخرى !! ولكني لم أهنأ بجلستي هذه !! جاءني هاجس غريب لما أفهمه .. وكان يصدر من مكانك أنت بقوة .. فأدرت مقعدي تجاهك أنتي .. وبدأت أراقبك في صمت .. وقبل أي شيء ، أرجو أن تعذريني لفضولي هذا ، اقسم بالله هذا شيء غير معتاد لدي .. أول مرة أفعله في حياتي .. سامحيني !

هزت رأسها في ذهول غير فاهمة !!

- وبعدها وجدتك تنظرين للسماء في تأثر حتى تدمع عيناك .. ثم تنظرين للنيل وكأنك تريدين أن تسربي دموعك في مياهه .. ولكنه يرفضها منك في وقاحة .. فقررت أن أتدخل أنا ..

كانت قد بلغت أقصى درجات الذهول .. ولم تدري بما ترد عليه .. فرفعت عيناها للسماء .. عند وجهة محددة بعينها .. هذه أول مرة في حياتها تتعرض لهذا الموقف الغريب .. لم تتأكد بعد من نوايا هذا (الشخص) الغريب .. هل هو مجنون ؟؟ هل هو متطفل ؟ هل هو ساحر ؟.. لذا قررت أن تتجاهله تماماً .. واتخذت قراراً بالمغادرة بعد خمس دقائق !!

- فينوس .

قالها وهو ينظر إلى الأرض وهو مبتسم !! لم تفهم ماذا يقصد بالتحديد .. فتسرعت وسألته رغماً عنها .. يجوز أن نقول بدافع الفضول لا أكثر :

- ماذا ؟؟!

- فينوس .. أنتي تنظرين إلى فينوس .. كوكب الزهرة !! دائماً يبدو لامع في السماء .. يظهر كالنجم قوي الإضاءة .. ولكنه كوكب الزهرة !! سماه الرومان (فينوس) .. فهو يبدو كإلهة الجمال عندهم ، اعتبروه أجمل ما في السماء !! وسماه العرب (الزهرة) لأنه يبدو كوردة يانعة في السماء !!

رفع عينه إلي عينها في هدوء وأكمل :

- أنتي مهتمة للغاية بكوكب الزهرة !

- حقاً هو كوكب ؟؟ لم أعرف ذلك .. اعتقدت أنه نجم ما وسط السماء ..

- بل هو كوكب .. قربه للأرض وانعكاس الشمس عليه جعله يبدو كالنجم !! ولكنه كوكب .. يمكنك إيجاده في أي وقت تحتاجينه فيه .. يظهر دائما وحيداً في كبد السماء .. منعزل عن النجوم الأخرى .. ولكنه أوضحهم وأجملهم !!

- هل تعرف أن عظمته قد زادت عندي بعدما عرفت قصته ؟

- هل لأنك تشعرين بأنك مثله ؟

- أنا ؟؟ لماذا تقول هذا ؟

- لأنك جميلة .. في الواقع جميلة جداً ، وأنا أقول وقائع ملموسة وليس بغرض إطرائك أو معاكستك !! ببساطة أنتي جميلة فعلاً .. جميلة ومنعزلة عن باقي النجوم !

شعرت بالخجل يتسرب إليها .. وبدأت تبتسم لأول مرة منذ جلستها هذه .. وقالت في حياء حقيقي :

- شكراً لك ..

- ولماذا تشكريني ؟؟

- لأنك قلت أني جميلة !

- وهل لك يداً في جمالك يا ترى ؟

- لا .. ولكن ..

- إذن لا تشكريني أبداً على حقائق أقولها .. فأنا لم أنتظر وردة فيحاء لأن تشكرني إن أطريت ثناءاً في عبيرها أو شكلها .. هي إجمالياً وردة ..

- فعلاً .. معك حق .. إذن أنا لا أشكرك !!

- رقيقة للغاية ..

لم تدري بماذا ترد عليه هذه المرة .. فترددت .. فابتسم أكثر وقال :

- نعم .. يمكنك أن تقولي شكراً هذه المرة .. رقتك من صنعك وحدك .. أنت من تتحكمين في تصرفاتك .. وأيضاً رقتك ..

- إذن .. شكراً لك !

- مالك ؟

- ماذا ؟

- ما بك ؟؟ لماذا أرى مسحة حزن عميقة في عينك ؟؟ لماذا يتلاعب ضباب الحزن الأسود في عينك ؟؟ أشعر أنهما ستمطران في أي لحظة ؟ أعذري تدخلي هذا .. ولكني لم أتحمل رؤية هذا الوجه وهو يندي بالدموع .. لماذا ؟

أخرجت زفيراً حاراً من صدرها ..

وتساءلت في نفسها : (هل تبدو حزينة إلى هذه الدرجة البائسة ؟؟ .. هل تسرب ما تشعر به من داخلها إلى خارجها ؟؟ هل مضت الخمس دقائق الباقية على رحيلي ؟؟)

نظرت إلى ساعتها ووجد أن عشر دقائق قد مضوا على قراراها السابق .. ولكنها لم ترحل !!

شيئاً ما أجبرها على استكمال الحوار .. فقالت :

- هل شاهدت الغروب اليوم ؟

- لا .. لكني شاهدتك أنتي .. وأنتي تراقبين الغروب .. الغروب يأتي كل يوم .. لكن هالني رؤيتك وأنتي تراقبيه !!

- دعني أسألك عن رأيك في الغروب ..

- في الواقع هو مشهد جميل غالباً .. بعض الأحيان أشعر بأن الشمس تحتضر في بطء في بطن السماء .. فأحاول أن أجري ورائها وأرجوها أن لا ترحل عني .. أتوسل لها أن تبقى معي .. لكنها تمضي في بطء إلى رحلتها .. أحياناً أتخيلها وهي تلفت إلى في إنكسار وتعدني بأن أنتظرها أثني عشر ساعة بالضبط .. ستعود ومعها جيشها النوري .. وستغزو الظلام مرة أخرى وستنتصر عليه .. لذلك أفضل مشهد الشروق عن الغروب .. يكفي أن مشاهدي الشروق هم أقل من متابعي الغروب .. كأن الشمس قد أهدت حضورها إلى فئة قليلة من البشر ..

كانت قد شردت تماماً مع وصفه للغروب والشروق .. ودهشت لقرب تخليه من تخيلها .. لكنه أضاف شيئاً من التفاؤل في وصفه للشروق .. فقالت بلا تكلف هذه المرة :

- هل تعرف ؟ مع أني رأيت الشروق مرات قليلة !! إلا أني اعتبرته حالة مخاض فريدة النوع.. السماء تلد شمساً .. هل تفهم كلامي ؟؟ أنا أسرح كثيراً فيه .. أكثر من مشهد الغروب .. عندما أرى قرص الشمس .. أعتبرها وليدة .. ونورها الخافت يبدو في نظري كبكاء طفل ولد للتو .. هل أنت معي ؟

أيد رأيها بأن رفع حاجبه الأيمن وهز رأسه إيماءاً لها .. ثم قال :

- وصف رائع جداً .. لدرجة أني توقعت أن الشمس ستشرق الآن مجاملة لوصفك هذا .. هناك أيضاً مشهد له سحر الشروق .. هذا المشهد ولد الآن ..

- ما هو ..

- أنه على شفتيكي .. ألا تلاحظينه ؟؟

تسارعت دقات قلبها .. وشعرت بالخجل والترقب فجأة !! فأعقب هو في سرعة :

- دون أن يحدث لبس في الأمر .. أنا أقصد مشهد ابتسامتك .. لأول مرة منذ ساعتين ابتسمتي أخيراً .. جاءتك مولودة جديدة على ملامحك .. يا ترى حتسميها أيه ؟

- هاها هاها! احم .. في الواقع لا أعرف ماذا أقول لك .. لقد أخرجتني من حالة صعبة للغاية .. فأنا أمر هذه الأيام بما يسمونه (أزمة نفسية) !! لا أجد لها سبب معين ..

- شيء عادي جداً !! هذه من ثوابت النفس البشرية .. أحياناً نكون ضعفاء للغاية !! وبعدها نعتقد أننا أقوياء للغاية !! يا عزيزتي سأقول لكي حكمة أؤمن بها للغاية : مهما بلغت سرعتنا في الجري ، لن نستطيع أبداً الهروب من مشاكلنا !! هل تفهمين ما أقصد ؟؟

كانت قد عزمت أن تحلل تلك العبارة فيما بعد .. لكن قلبها قد اختلج قليلاً عندما نطق (عزيزتي) !! كانت بريئة جداً منه ، بل طبيعية وتلقائية منه !! رغماً عنها تمنت أن تسمعها مرة أخرى !!

من هذا الشخص ؟؟

من أين ظهر ؟؟

هل هو ملاك جاء ليضع بذور السعادة مرة أخرى إلي ؟؟

ما اسمه ؟

فينوس ؟

حسناً .. سأسميه (فينوس) في داخلي .. إلى أن أعرف أسمه وقصته !!

- برتقال ؟

- برتقال ؟؟ ماذا تقصد ؟؟ أعذرني ، فقد كنت شاردة !

- هل أطلب لكي عصير برتقال ؟ أعتقد أنك لست من هواة المشروبات الغازية .. شخصيتك تدل على إنك تميلين إلى العصائر الطبيعية .. خاصة البرتقال.. أنا بصدد طلب عصير لي .. فهل أطلب لكي عصير برتقال ؟

- فعلاً أنا أفضل العصائر الطبيعية ! خاصة البرتقال .. كيف تعرف كل هذا ؟؟ يكاد الجنون يصيبني من كلامك وتصرفاتك .. من أنت ؟ ماذا تريد ؟؟ لماذا أنت مختف عن الباقيين ؟؟ ما هي قصتك يا ترى ؟؟

- أنا ؟؟ أنا شخص عادي جداً ..

- لا .. أنت شخص قام بتغيير مجري حياتي بالكامل خلال نصف ساعة لا أكثر .. أهديتني معنى جديد للشروق .. هونت علي أشياء كثيرة في تفكيري .. غيرت نظرتي للأمور التي كنت أعتقد أنها بسيطة .. وبسطت كل الأمور التي تخيلت أنها معقدة .. هكذا ببساطة .. أعترف أني تعلقت بكلامك للغاية .. شعرت أني أحتاج منطقك هذا .. هل تعرف أني بدأت أسمع صوت خرير النيل الآن ؟؟ هل تعرف أني أنتظر الشروق من الآن ؟؟ هل تعرف أني أشتاق لضحكاتي ؟؟ هل ما يحدث منطقي يا ترى ؟؟

ابتسم وقال :

- نعم .. منطقي للغاية ..

فجأة رن هاتفه المحمول .. فانتفض عندما رأى الطالب ..

توتر قليلاً وقال :

- للأسف .. لن يمكنني طلب عصير معك .. أنا مضطر للذهاب حالاً ..

واستدار ليكلم النادل ويلغي مشروبه .. واستغل شرودي وقام بدفع حساب مشروبي .. واستدار إلى وقال :

- فعلاً أنا أسف للغاية .. لكني واثق أني سنلتقي مرة أخرى ..

- متى ؟؟

- دعيها تكون صدفة ..

قام من مقعده في هدوء .. ونظر إلي عيني مليا وتمتم :

- أرجو أن تتذكريني المرة القادمة !

- ومن قال أني سأنساك ؟؟

- إلى اللقاء ..

- إلى اللقاء ..

استدار وغادر المكان بهدوء .. وأنا أتتبعه بنظري غير مصدقة !

حلم .. أكيد ما حدث هو مجرد حلم ..

(فينوس) ؟؟

هذا هو الشيء الحقيقي في الأمر ..

(فينوس) ..

تنهيدة حارة !