27‏/2‏/2008

بص ورا اللي قدامك (2) ..

استكمالاً للموضوع السابق ، سأتكلم هنا عن مفهوم الجمال عامة من منظور أخر ليس فلسفي ، إنما كطريقة للحياة .. أرجو أن يتسع صدركم لاستيعاب ما سأقول جيداً .. وأرجو لمن لم يقرأ الجزء الأول من هذا الموضوع أن يقرأه أولاً كي يتابع ما أقول بسهولة (أضغط هنا لقراءة البوست السابق ) ..


منذ سنوات وقعت ضحية ساذجة لقوم قيل عنهم (فلاسفة) حاولوا أن يروجوا أسلوب معين في الحياة ..

أرادونا أن نعيش على نهج ما توصلوا إليه من أفكار .. وكأن ما توصلوا إليه هو قمة السمو الإنساني في الحياة ..



وكان أول شخص زلزل أفكاري بعنف هو الفيلسوف (نيتشه) ، ربما لغرابة أفكاره وجراءتها !!

ووجدت أن أفكاره سوداوية للغاية وغير مقبولة إطلاقاً لأي مجتمع عاقل !!

فكان يدعو لنبذ الضعفاء من المجتمع ، والبحث عن الإنسان الكامل دون الحاجة إلى إله معين يتذلل له !!!! ورؤيته للدين هو انحطاط مجرد لا أكثر ..

وكانت المرأة بالنسبة له كائن مقرف بشع الخلقة !! وكان متشائم بطريقة غير معقولة .. وأليكم بعض مما قاله :

· لقد مات الله .. ونحن من قتلناه !
· لكي تعرف قيمة حياتك عش في خطر !
· زوج من العدسات النظيفة كفيلة لأن تشفي عاشق !
· أنه حقاً لشيء بشع أن يكون المرء إله !

(وكفاية كدة عليكم)

أما أبشع ما قاله نيتشه بالنسبة لي :

(أنا أتقى الناس كفراً بالله)

يخرب بيتك يا نيتشه !!

هذه الجملة أخذت من وقتي – للأسف – الكثير في محاولة تفسيرها !! لو كان الكفر بالله عباده (استغفر الله) ، لكان هو تقي في الكفر به ؟؟

(أيه الجنان ده ؟؟)

فلا عجب إذن أن يعيش نيتشه هذا حياة بائسة للغاية .. بل أمضى نصف حياته في المصحات العقلية بسبب أفكاره هذه ، فكان يؤلف كتاباً ثم يصبح نزيلاً لمستشفى المجانين لمدة تقرب من ستة أشهر !!

هذا كان نيتشه !


والشخص الأخر هو ( شوبنهاور) !

والكلام عنه أو أفكاره لهو تضيع لوقتي ووقتكم..

يكفينا أن نعرف أنه أبو الفلسلفة التشاؤمية ، وتربى على كتبه نيتشه ..

ويكفي القول بأن شوبنهاور أفكاره مدمرة لكل جميل في عالمنا .. وكان السبب في سنوات التيه الفكري والعقائدي التي مررت بها شخصياً ..


(يا أخي أشكالهم لوحدها تجيب أكتئاب مزمن .. فما بالك أفكارهم !!)



********************

بص ورا اللي قدامك ..
لا أخفي أنني سمعت هذه العبارة من المسلسل الكارتوني الشهير (تيمون وبومبا) المدبلج باللغة العربية !! ولكني فكرت فيها كثيراً واستخرجت منها معاني كثيرة بدأت في تطبيقها بعد ذلك ..

مثال بسيط لهذه العبارة :
قام توماس أديسون بحوالي 1000 محاولة لاختراع المصباح الكهربائي .. ولم ييأس أبداً .. نجح أخيراً وأضاء العالم كله بدون مبالغة .. فسأله الصحفييون : لقد قمت بألف محاولة فاشلة لاختراع المصباح الكهربائي .. أنك لصبور حقاً يا سيدي !
ابتسم أديسون وقال: من قال أنها محاولات فاشلة ؟؟ بالعكس ! لقد اكتشفت ألف طريقة ناجحة لعدم صنع المصباح الكهربائي !!

هل فهمتم وجة نظري ؟؟
هذا الرجل تجاوز مبررات الفشل .. ونظر لما هو أبعد من ذلك !!

فإن كنا نمر بمرحلة معينة من الضيق والفشل ، فعلينا أن لا نضعف أبداً .. بل نستغل فشلنا هذا ونحوره لشيء ناجح بطريقة أخرى .. لن أقول كيف .. أقيموه أنتم بطريقتم .

وفوجئت بالكثيرين هنا يعتقدون بأني شخص رومانسي حالم وشقي وأرى الحياة بلون وردي .. وتمنيت أن يعرفوني منذ سنتان فقط .. الشخص الأخر مني .. الشبح الفاشل وبركان الاكتئاب وزلازل اليأس وأعصاير التشاؤم .. كلها مجتمعة في شخص واحد .. أنا .

بصوا ورا اللي قدامكم زي ما قال الفليسوف (تيمون) ..

أبحثوا عن معاني الجمال في حياتكم .. فهو حتماً موجود يا رفاق ..
فإن كان المستقبل يبدو أمامكم كجبال وعرة صماء .. أنظروا لما وراء تلك الجبال .. ستجدوا غابات من الورود تنتظركم ..

الجمال مثل الله .. موجود في كل مكان ..

بل الله نفسه جميل ويحب الجمال ..
فهل يضن الله على عباده بما يحب ؟؟

بالمناسبة ..
أحضرت لكم اليوم هدية من (هادر ديسك ) صديق عزيز علي أخر .. ليس متعجل كالأخر ..
الهدية عبارة عن ملف فيديو ..
رقيق جداً ..
وإثبات قوي للبحث عن الجمال ..
حتى بين ذرات الرمال ..
سترون فنان .. لم يكتف بالنظر إلى الرمل على أنه مجرد رمل ..
بل صنع منه لوحات بسيطة ورائعة في الجمال ..
كان من الممكن أن تكون تلك الأصابع لشخص عادي .. أو نشال .. أو مجرم عتي ..
بل كانت لشخص ذو حس فني رائع ..

وكان من الممكن أن تشترك حبات الرمال تلك في صنع كومة رمال تشوه مكان ما .. أو تكون قذارة كريهة ..
بل الرمال كونت لوحة ذو حس فني رائع (أيضاً) ..

تأملوا الرسام وهو يرسم !
تأملوا اللوحة وهي تُرسم !
تأملوا الجمال وهو يولد !

ثم تأملوا في أنفسكم أنتم ..

هذا هو ملف الفيديو ..


video


ومن يريد التحميل .. يضغط هنا

الحياة حلوة .. لو أحنا عايزنها حلوة .. بلا نيتشه بلا شوبنهاور بلا قرف ..

وائل .

25‏/2‏/2008

بص ورا اللي قدامك ..

أعرف أن عادة ما تكون الصورة جزء تكميلي مهم لأي موضوع مدون .. قد تعبر عن مكنون الفكرة .. وتشرح بإيجاز وجهة نظر الكاتب ..

إلا أني في هذا البوست سأقوم بالعكس ..

سأضع صورة ستكون هي الموضوع .. وسأذيلها بكلام بسيط يوضح وجهة نظري عنها ..

هل اتفقنا ؟!

هذه هي الصورة :

(أضغط هنا للحصول عليها مكبرة )


وهذا هو التعليق :


أتذكر جيداً أول مرة رأيتها .. تحديداً منذ خمس سنوات .. مجرد صدفة جمعتني بها .. كنت أتصفح (هارد ديسك) خاص بصديق لي ، فظهرت هذه الصورة على الشاشة الزجاجية ..

وتخطيتها أول مرة ..

ثم شردت قليلاً ..

ورجعت لها بسرعة مع تذمر صديقي المتعجل للذهاب ..

في الواقع لا أدري ما شدني لهذه الصورة بالذات !! فأنا لست بخريج فنون جميلة ولا أدعي فهمي التام لفن الرسم .. ولا أفرق بتاتاً بين رسوم (فان جوخ) و(فان دام) .. أو أعرف الفرق بين (المدرسة التجريدية الحديثة) وبين (المدرسة التجريبية الحديثة بنين) .. لكن توقفي أمام هذه اللوحة بالذات أثار دهشتي أنا .. ثم دهشة صديقي العجول !!

سألته وأنا لا أزال أتطلع للصورة :

- مين اللي رسم الصورة دي ؟

- مش عارف .. بس مكتوب عليها (بيكاسو) .

بيكاسو ؟

هل هذه التحفة ولدت على يد (بيكاسو) هذا ؟؟ هل ظل يحلم بها داخل مخيلته مرة واحدة ثم بدأ يداه تنز بها على لوحته البيضاء ؟؟

قال صديقي في ملل :

- أنت يا عم (إبراهيم ناجي) .. قصر في الدور عايز أمشي .. مش فاضي لك ..

- (إبراهيم ناجي) ده شاعر مش رسام ..معقول مش عارفه ؟

- حقك عليا يا عم .. مشيها (فاروق حسني) .. خلص يابا ..

أغلقت الصورة وأخذت نسخة منها واستكملت تصفح الهارد ديسك مع صديقي العزيز!!

******************************

كيف تقرر فرشاه رسم ( بكل سلاسة) الظلام والنور معاً في نفس اللوحة ؟؟

هذا كان سر تساؤلي عن تلك الصورة !!

ولأول مرة وضح لي استخدام الظل كتأثير قوي في الرسم ..

(واضح جداً بكل إبداع في تحديد فروة الرأس وشحمة الأذن وأسفل العين والتدريج الخافت على خدها ) ..

وبدأت أطارد الألوان في الصورة .. والمعاني .. ومواطن الجمال ..

(ما رايك في تدرج الألوان على شعرها ؟ أو لون بشرتها ؟؟ أو حتى تدرج اللون الأبيض على شرشفها ؟؟

وفي رأيك .. كيف عبرت الفرشاة عن تعقيدات عقصات خصلات شعرها؟ حتى الشعر الهارب والذي لم تطوله عقصة الشعر (خلف أذنها ) يبدو كأنه جمع غفير قرر الثورة أو إعلان العصيان (الشعري) ..

لدرجة أني كلما شعرت بعصبية أو ضيق أو بنوبة يأس هادرة ، فأني ببساطة أظلم غرفتي تماماً وأجلس وحيداً وأفتح هذه الصورة وأجلس أمامها برهبة..

وأتأمل ..

فقط أتأمل ..

وكل مرة تصفو نفسي .. وأهدأ كثيراً .. وينمو التعطش للرسم بداخلي ..

وأصبحت أطبق ما تعلمته من هذه الصورة في حياتي العادية ، فإن توافر وقت فراغ فأني أتأمل أي شيء تقع عيني عليه .. أسرح كثيراً في زوايا الظلال ومصدر الضوء وتجسيد الأبعاد وتدرج الألوان .. حقاً أنها متعة كانت موءودة بداخلي واستطاعت أن تخرج من خلال هذه الصورة ..

******************************

شيء أخر جذبني في هذه الصورة ..

الأمومة !!

هذه السيدة التي في الصورة لا تتشابه في ملامحها إطلاقاً مع أمي .. ولكن شيئاً ما – مبهم – جعلني أتعاطف معها .. أحسست أنها أمي بطريقة ما .. أريد أن أضع يدي على كتفها في رقة وأسألها : ( هل أنتي بخير يا سيدتي ؟؟) .. أريدها أن تترك شرودها الأبدي وتلتفت لي .. ثم تبتسم .. فقط تبتسم .. لحظتها سيزول سر ابتسامة شقيقتها – الموناليزا ويحل محله ابتسامة هذه المرأة .. حتى وإن لم تكن بجمال الموناليزا ..

******************************

ذات مرة فاجأتني أمي بدخولها غرفتي دون استئذان ، ووقفت خلفي تماماً لتضبطني وأنا أتطلع لهذه الصورة بشغف مريب .. ووقفت هي تنظر إلي ثم تنظر إلى الصورة !! ثم ضربت كف على كف وقالت كلمتها الشهيرة معي :

- ربنا يعوض صبري خير .

لاحظت وجودها .. فتلفتت إليها في هدوء ورفعت عيني لها وأنا أبتسم وقلت :

- وحشتيني يا ماما !

فاجأتها جملتي تماما .. وتبدلت ملامحها إلى اللين والعطف والدهشة .. ثم استقر إلى حنان فطري وقالت :

- تحب أجهز لك الأكل دلوقتي ؟

- لأ .. مش دلوقت ، لسة شوية .

- يابني أنت بقالك كتير قاعد على المخروب ده .. يا بني حرام عليك عينك .. أنت لسة صغير ..

- حاضر يا ماما .. حقفله وأجي أدردش معاكي شوية !!

فوجئت أمي بردي .. واستدارات لتغادر غرفتي وعلى وجهها ابتسامة رضا رائعة .. وعدت أنا للكمبيوتر فوجدت الصورة تنتظرني هي الأخرى .. فابتسمت لها وتمتمت في خفوت :

- عجباً أيا سيدتي .. شردت أنتي للحظة واحدة .. فاستطاعت أيدي عبقري أن تجسد شرودك للأبد ..

ولن أهتم كثيراً إن كان هو بيكاسو أو رامبرانت أو حتى إبراهيم ناجي .. المهم إنه إنسان ..

فما أجمل الجمال من حولنا يا سيدتي .. ملايين اللوحات من رسم يد الله .. ممتزجة في ألوان شتى .. يغدو كل لون فيها نعمة مستقلة بذاتها .. وكلها مجانية .. فقط علينا أن نفتح أعيننا .. ونتأمل ..

ما أجمل عالمنا يا سيدتي .. فهو من إبداع أعظم فنان ..

فانعمي أنتي بخلودك الهادئ .. ودعيني أنا أنعم بلحظات عمري الفاني ..

شكراً يا سيدتي .. ألقاكي قريباً ..

24‏/2‏/2008

!!!





.. فكيف إذن - يا عزيزتي - بعدما التأمت كل جروحي تهديني (بكل بساطة) سكيناً ؟!!









22‏/2‏/2008

ما بين السريالية والتجريدية والعبثية !!

المشهد الأول :

الشخصيات : هي وأنا ..

المكان : مكان عادي .. فقط هادئ بعض الشيء.


هي : وائل .. أنا عايزة أقولك على حاجة من زمان .. وائل أنا بحبك !

أنا : !!!!

********************

المشهد الثاني :

الشخصيات : هي وأنا ..

المكان : اختلف المكان كثيراً بعدما نطقت هي حرف (الكاف) في أخر كلمة في المشهد السابق ، فجأة ظهر على المسرح شلال مياهه وردية اللون ينساب بخفة على أرضية من الرخام المرمري ولكن ملمسه كأنه حشائش خضراء لينة نوعاً ما !!

لا ندري من أتت الغزلان والأيائل لتمارس لعبها البريء على المسرح ؟؟ أو حتى تلك العصافير والفراشات ذات ألوان تصعب على العين حصرها !!

الصمت ..

أنه هو أنشودة تملأ المكان في سلاسة ، دعك من أي سيمفونية سمعتها في حياتك .. أنه أقرب لترنيم ملائكي خاشع .. أنه الصمت الذي يرغمك على المشاركة في عزف ذات الصمت باحتراف احتراماً لجلل الحدث .. أنه الصمت الذي هو أبلغ من أي لغة ..

وبشكل ما تحول لون السماء الأزرق إلى اللون الأرجواني ، فبدت كأنها زهرة أوركيد عملاقة !

عامة لا يدخل الروائح في مفهوم الوصف المسرحي .. لكن هذه الرائحة لابد أن توصف بشكل ما:

حاول أن تدمج ما بين رائحة الياسمين اليانع ، ورائحة قوس قزح بعد سقوط الأمطار ، ورائحة يد طفل رضيع .. ثمة روائح أخرى ولكن لا يحضرني وصفها الآن للأسف .. ولكنها موجودة في لفيف من أروع ما شممت .

ثمة صوت يعلو حثيثاً في خجل .. أنه صوت أمواج تكونت من الشلال الوردي الصامت ..يتصاعد الصوت رويداً كأنما يتحدى الصمت المفروض منذ بداية المشهد ..

عينان تنظران لبعضهما لفترة طويلة .. كأنما قرر الزمن التوقف احتراماً لصاحبيهما .. منهم عينان تبصر في خجل .. والعينان الأخرى اتسعت في ذهول ..

يوجد قلب اضطربت ضرباته تماماً .. يخفق في جنون كعصفور طنان نشيط ..

ذلك القلب وقع في حيرة .. هل يكتفي من مجرد عضلة مهمتها ضخ الدم .. أم يحوي بداخله حباً يكفي لها ؟

شفتان متأهبتان في تأثر ، ستخرج منهما كلمات طال أسرها ، ستنطلق الكلمات أخيراً كأسد جائع فتح قفصه أخيراً ..

أنا : وأنا أيضاً .. أحبك كثيراً .

ستار.


19‏/2‏/2008

إهداء إلى كل حائر .. مثلي أنا !

خرج رجل يبحث عن عابد تقي كان يعيش وحيداً في الصحراء .. وبعد عناء طويل في البحث وجده .. فسأله باكياً :

- أريد أن أعرف الخطوة الأولى التي يجب أن يبدأ بها طريق الإيمان بالله !

أخذه الرجل إلى حافة بئر صغير وطلب منه أن ينظر إلى انعكاس صورته في الماء ..

وفعل الرجل ..

ولكن العابد كان يلقي بحصى في الماء ، فتضطرب صورة الرجل ويهتز انعكاسه !!

فقال الرجل :

- لا أستطيع أن أرى وجهي وأنت تلقي بالحصى في الماء هكذا !

فابتسم العابد وقال :

- مثلما هو مستحيل أن يرى المرء وجهه في مياه مضطربة .. من المستحيل أيضاً أن تبحث عن الله عندما يكون عقلك مضطرباً بسبب البحث .. هذه هي الخطوة الأولى .

17‏/2‏/2008

.. وأنطلق الغضب من عرينه !!

أنطلق غضبي من عرينه فجأة وفلت مني هارباً في جنون .. فجريت وراءه في لهفة رغبه مني أن أعيده إلى العرين قبل أن يصاب أحد من بطشه !! فوجدته يهرول في ثقة كأنه يعرف وجهته ..

بعدت المسافة بيننا من جراء عدوه السريع .. وأنا ألاحقه بشق الأنفس واقتفي أثره على الأرض .

وصلت إليه أخيراً .. ووجدته واقف على مكان عالي في هدوء ، ولحقته أنا وكنت مستعداً لأن أعنفه على طيشه ورعونته الغير محسوبة .. لكني لم ألتمس منه انتباهاً لي .. كان ينظر إلى بقعة أمامه في هدوء !! ونظرت أنا في فضول إلى ما ينظر هو إليه .. فوجدت أمامي مدرستي الابتدائية .. نفس المبنى المتهالك الكئيب .. كما هو !!

ووجدت التلاميذ تتدافع في همجية لباب المدرسة تبغي الدخول مبكراً لسبب لا أدريه !!

تذكرت أنا تلك العادة في أيامي .. كنا نلعب لعبة مضمونها أن أخر من يعبر من باب المدرسة هو (حمار) ، لذلك كان الكل يتدافع في جنون للدخول حتى وإن كلف الأمر وقوع ضحايا تحت الأقدام .. بالنسبة لهم خير للمرء أن يكون جريحاً وكسيحاً على أن يكون حمار.. رباه .. أني أتذكر تلك الأيام ، كل يوم كنت أنتظر انتهاء تلك الفوضى ثم أدخل في هدوء وسكينة وسلامة .. أدخل المدرسة كملك متوج وليس كهؤلاء الهمج الغوغاء!! تحديداً كنت أنتظر هناك في تلك البقعة أمام الباب .. نفس المكان الذي يقف فيه ذلك التلميذ الآن !!

مهلاً ..

هذا التلميذ يقف نفس وقفتي في طفولتي !!

حقيبة الظهر الثقيلة يضعها بين قدميه ، ويعقد ذراعيه على صدره ، ويستند بظهره على الحائط بلا اكتراث ..

الأعجب أن ملامحه تشبهني في طفولتي ..

أنه ..

أنه ..

!!!!

أنا !!

نظر إلي غضبي في نظرة ساخرة تتهمني بالغباء وبطء الملاحظة ، وجلست أنا بجواره متكئاً عليه وأنا استنتج ما يحدث في ذهول ..

لقد هرب مني غضبي ليذهب إلى الماضي!!

ذهب إلي طفولتي أنا ..

أيامي في المدرسة الابتدائية !!

واستندت برأسي على صدر غضبي الذي تحول إلى كائن شرس مزيج من الذئب والأسد ، وجلست أشاهد ما يحدث في صمت !!

****************

طابور الصباح ..

كعادتنا كل يوم نقوم بالاصطفاف في طوابير نحاول – عبثا – أن تبدو مهندمة ، نستعد للقيام بتمارين الصباح والتي هي توليفة من أغبى تمارين يمكن القيام بها .. ولكننا نقوم بها في كسل على أي حال .. ويبدو كأننا نزداد خمولاً ورغبة في النوم عند قيامنا بها ..

الآن يأتي مدرس الألعاب ليقول في حماس :

- مدرسة صفا .

ونقول ونحن ندب بقدمنا على الأرض :

- مصر .

- مدرسة انتباه .

- حرة .

فيعود ليقول :

- مرة أخرى يا أغبياء ، أريد أن أهدم المدرسة من قوة دبيب قدمكم على الأرض ، فصل تالتة أول يبدو أفضل فصل في الطابور اليوم .. برافو يا تالتة أول ..

فتنتشر الغيرة بين التلاميذ ويشحن الكل طاقته للفوز في معركة استحسان مدرس الألعاب .. الكل يطرد النعاس والرغبة في النوم .. الكل يستعد ..

- مدرسة صفا.

- مصر.

- مدرسة انتباه .

- حرة.

- برافو عليكم كلكم .

كل يوم يقوم ذلك المدرس بنفس الخدعة ، ونحن لا نتعظ أبداً ..

كنت أقف في الطابور أحاول فهم (مدرسة صفا ، مدرسة انتباه ، مصر ، حرة) !! أهذا ما يفسر شرودي الدائم في وقفتي في الطابور يا ترى ؟

الآن دور الإذاعة المدرسية ..

القرآن الكريم .

عناوين الأخبار..

حديث شريف ..

حكمة اليوم ..

صدق أو لا تصدق ..

يا له من ملل .. أحاول التملص من الاستماع لتلك السخافات بالنظر إلى السماء في شرود .. السماء صافية اليوم .. إذن لا أمطار .. مشكلة الأمطار أنها تجعل فناء (حوش) المدرسة مبتلاً مما يجعلنا نستمتع بوقت الفسحة القصير ، الطين في كل مكان بسبب أرضه الترابية .. كل مرة تمطر السماء نجلس في الفصل أثناء الفسحة في كآبة !! ربما أشبه بالفراخ في عشتهم ..

أصحو من شرودي علي يد تجذبني في غلظة وتخرجني من الطابور .. أنه مدرس (العربي) .. يقول لي في وحشية غير مبررة :

- هل تسرح أثناء الطابور ؟؟ أيه ؟ بتحب ياض أنت واللا أيه ؟ أفتح أيدك يا حيوان .

تبتسم له مدرسة الرسم الواقفة بجواره بعد أن أعجبتها دعابته ، وتنظر له في رقة مصطنعة ..

أقول له وأنا أحرق مدرسة الرسم بنظراتي عقاباً لها على سخريتها على حالي :

- الجو بارد اليوم يا أستاذ ، يداي متجمدان من البرد !

- أنا بقولك أفتح أيدك يعني تفتح أيدك يا حيوان أنت ، فاهم واللا لأ ؟

مددت يدي وأنا أحاول التركيز في شيء أخر غير الألم الناتج عن (عصاية ) الأستاذ الغليظة ، ومدرس العربي يلتفت إلى مدرسة الرسم قائلاً في لهجة لزجة :

- أيه رأيك ؟ كام عصاية ؟

- واضح عليه أنه ولد كويس .. كفاية أربع عصيان بس !

زاد لهيب نظراتي الحارقة لها ، وركزت على (مكياجها) المبهرج وضربات عصاية الأستاذ تلفح يداي .. أتمنى أن أراكي تدخلين النار أيتها القاسية ..

انتهى المدرس من عقابي وقال لي في تشفي ..

- عشان تحرم تسرح تاني في الطابور يا عم روميو .. أرجع للطابور وركز يا حيوان .

رجعت للطابور وأنا أكاد أبكي من الألم .. بالفعل دمعت عيوني دون أن أشعر بها .. لكن لا بأس .. إذا فركت يداي فستدفأ ولن أشعر بالألم أو بالبرودة ..

الآن وقت تحية العلم ..

تلك الخرقة القذرة المعلقة في الساري الطويل .. لماذا يبدو العلم في التلفيزيون أنظف من تلك الخرقة ؟؟ ولما يتوسط نسر العلم بينما هذا العلم مجرد ثلاثة ألوان فقط ؟؟ أحمر وأبيض وأسود ؟ وما هو ترتيب العلم الصحيح ؟ أين النسر هنا ؟

أفوق بسرعة من (خواطري) وأنا أرمق مدرس العربي بنظرة جانبية واسترحت انه لم يلحظ شرودي مرة أخرى .. الغبي يبدو مشغولاً مع مدرسة الرسم .. ألم يلحظ أن الألوان على وجهها تنافس ألوان فصلنا (في عيد الطفولة) عند تزيينه ؟؟

يأتي الآن ثلاثة تلاميذ ويقفون تحت ساري العلم .. ويقول أوسطهم وهو ينظر للعلم :

- تحيا جمهورية مصر العربية .

ونردد من وراءه :

- تحيا جمهورية مصر العربية .

يقولها ثلاثة مرات ونكررها ..

أحياناً بدافع المشاغبة نقول وراءه :

- واحد فول واتنين طعمية .

أليست على نفس الوزن ؟

لم يلحظ أحد الفرق على أي حال !

انتهى الطابور الآن ..

ويتوجه التلاميذ إلى فصولهم ..

الآن سيبدأ الهم الحقيقي!

****************

الحصة الأولى : عربي !

يدخل المدرس إياه ومعه كراريس التعبير الخاصة بنا بعد أن قام بتعليمها .. وضع الكراريس على (الترابيزة) واتجه نحو السبورة ليعدل تاريخ اليوم بالميلادي والهجري .. ثم يكتب في نصف السبورة (عربي) ويضع تحتها خط ثم التفت لنا .. مسك كراسات التعبير وبدأ بالنداء على أصحابها .. وأنا أراقب كراستي ذات الجلاد (الأصفر) منتظر دورها في ترقب ملحوظ ..

- وائل عمر .

- أفندم .

- قوم أقف وافتح أيدك !

- ليه يا أستاذ ؟

- أنت جبت في التعبير 3 من 10 !

- أزاي بس يا أستاذ ؟ أنا تعبت عشان أكتب الموضوع ده ..

- الموضوع كان عن رحلة مع المدرسة .. تقوم تكتب عن رحلتك مع عائلتك في البحر ؟؟

- عشان أنا مش بحب رحلات المدرسة يا أستاذ .. كل مرة تقولوا (ما تروحش بعيد .. ألعب هنا .. ما تركبش المراجيح ) .. لكن في البحر بكون مبسوط مع أخواتي وأقاربي .. نلعب على الرملة من غير لما حد يزعق لنا .. أخويا بيعلمني العوم .. بابا بيعمل سباق مع أخويا في العوم .. بابا وأخويا بيشلوني في المية الغويطة .. وفي الآخر بناكل الساندويتشات اللي ماما عاملاها .. مش كدة أحسن يا استاذ ؟

ألقى المدرس كراستي في وجهي وقال تعبير خدش حيائي مفاده أن أتبول على قبره إذا فلحت في يوم من الأيام .. وانتهى الأمر بعقابي مرة أخرى من نفس المدرس ..

- مين مش حافظ ؟

قالها بعد أن انتهى من توزيع الكراسات ، وعقاب الفاشلين !

رفع بعض التلاميذ أيديهم في خوف ، وأشار إليهم للخروج إليه ليعاقبهم واحد تلو الأخر ..

ثم أشار إلي وقال:

- سمع يا وائل أفندي ..

ذادت ضربات قلبي من الخوف في أن أخطأ في (تسميع) الشعر الذي حفظته سريعاً أمس :

رأيت في الرياض قبرة تطير أبنها بأعلى الشجرة

وهي تقول يا جمال العش لا تعتمد على الجناح الهش

وقف بعود بجنب عود وأفعل كما أفعل في الصعود

فانطلقت من فنن الى فنن وجعلت لكل نقلة زمن

كي يستريح الفرخ في الأثناء فلا يمل ثقل الهواء

لكنه قد خالف الاشارة لما اراد ان يظهر الشطارة

و طار في الفضاء حتى ارتفعا فخانه جناحه فوقعا

ولو تأنى نال ما تمنى وعاش طول عمره مهنا

لكل شيء في الحياة وقته وغاية المستعجلين فوته

انتهيت من (التسميع) ولم يعلق المدرس على أدائي بأي شيء .. ما زادني شجاعة ، فرفعت يدي للمدرس ، فقال لي في قرف :

- عايز أيه ؟

- هو يعني أيه قبرة دي ؟

- أنا مش شرحت لك قبل كدة؟

- معلش يا أستاذ ، مش عارف أفتكرها !

- يعني عصفورة يا حيوان ..

- طب هو ليه (أحمد شوقي) ده ما قالش عصفورة على طول ؟

- أحمد شوقي ده أمير الشعراء ، يقول اللي هو عايزه .

- طب هو بيألف شعر واللا بيألف لغة ؟ أصل أنا حاسس أن (قبرة) دي كلمة غلسة أوي ! بعدين أيه (من فنن لفنن ) دي ؟ أيه الكلام الغريب ده يا أستاذ ؟ عربي ده ؟

- أنت بتتريق على اللغة العربية ؟ أفتح أيدك يا حيوان .

- لا يا أستاذ .

- أيه ؟ بتقول أيه ؟

- مش حفتح أيدي المرة دي ! أنا حفظت اللي حضرتك عايزه ، مع أني مش فاهمه خالص .. وتعبت عشان أحفظه .. وكنت خايف أنساه لما أجي المدرسة وأسمعه لحضرتك .. أنا مالي يا أستاذ أن واحد شاف عصفورة بتعلم ابنها الطيران .. ما أنا كل يوم بشوف عصافير على الشجرة .. عمري ما صدعت حد بالموضوع ده .. هو أحمد شوقي ماكنش عنده واجب يعمله بدل ما يقول كلام فارغ ؟؟ كان أحسن له يلعب مع صحابه في الشارع وخلاص .. أنا مش حفتح أيدي عشان بسأل عن (قبرة) .. أقول لك على حاجة يا أستاذ : أحمد شوقي كرهني في العصافير كلها أو (القبابير) بتاعته دي ..

انتاب المدرس حالة من الذهول وسكت قليلاً ثم قال :

- أنت خسارة فيك الضرب .. الضرب في الميت حرام .. أنت فاضل لك 100 سنة عشان تبقى حمار .. أقعد جاتك القرف ..

وأكمل باقي الحصة وهو يقوم بتسميع الشعر لباقي التلاميذ ، وينظر لي من حين إلى أخر في نظرة وعيد واضحة .. إلا أني لم أعيرها أي اهتمام .. فليضربني كيفما شاء .. وأتمنى فعلاً أن يأتي اليوم وأن (أتبول على قبره) مثلما قال ..

وانتهت الحصة ..

****************

الحصة الثانية : علوم وأنشطة .

دخلت مدرسة العلوم الفصل ، وقامت بتغيير اسم المادة على السبورة ثم قالت بقرف :

- قيام ..

- جلوس ..

ثم بدأت في شرح مادة العلوم والتي كنت أحبها ، ولكن تلك المدرسة جعلتني أكرهها بجدارة ..

أشارت المدرسة إلى فجأة وقالت :

- وائل .. قوم أقف .

- أفندم .

- الواجب بتاعك كان فيه سؤال : ( تنتقل الحرارة من الأجسام ............. إلى الأجسام ............ أسرع من انتقالها من الأجسام ............. إلى الأجسام ............) ، أطلع على السبورة وحل السؤال ده تاني ..

- حاضر يا أبلة ..

توجهت إلى السبورة وأخذت قطعة طباشير وأخذت أكتب بخطي السيئ:

تنتقل الحرارة من الأجسام الساخنة إلى الأجسام الباردة أسرع من انتقالها من الأجسام الباردة إلى الأجسام الساخنة .

انتهيت ووضعت قطعة الطباشير مكانها وأخذت أنفض يدي من أثاره البيضاء عليها في فخر ..

نظرت المدرسة إلى ما كتبت وقالت :

- أنت ذاكرت الدرس ده ؟

- أيوة يا أبلة ..

- ومكتوب فيه أيه ؟

- العكس يا أبلة .

- وكتبت كدة ليه يا حمار أنت ؟

- عشان العكس هو اللي بيحصل !

- أزاي الكلام ده ؟

- في الشتا الأكل بيبرد بسرعة .. عكس الصيف الأكل البارد مش بيسخن لوحده من الحر .. وأحنا بنحس بالساقعة أسرع ما بنحس بالحر .. وأنا لما بكون عيان مش بخف بسرعة !! يبقى أزاي الحرارة بتنتقل من الأجسام الباردة أسرع من الساخنة ؟؟

- أنت حتتفلسف على كتب الوزارة ؟؟ أفتح أيدك يا مجرم .. لأ .. أنت حتيجي معايا عند الناظرة .. أنت قليل الأدب .

- ليه يا أبلة ؟ أنا ماعملتش حاجة .

- تعالى .. أنا حوريك ..

****************

الحصة الثالثة : حساب .

دخل المدرس بكل غطرسة .. تسبقه العصا التي تميزه عن سائر المدرسين .. هذا المدرس مشهور بعشقه وولعه بالعصي .. ونادراً ما نجد لديه عصى أخرى غير تلك العصى .. كانت رفيعة إلى حد ما .. وكان يغلفها (سيلوتيب) ملون في عدة جوانب .. كان يعتبرها تحفته الخاصة ..

كتب على السبورة (حساب) .. ووقف صامتاً للحظة .. ثم بدأ يمشي في أنحاء الفصل في صمت ويخبط بعصاته في كل (مقعد) يمر بجانبه ونحن نرتجف رهبة !! ثم توقف وراء مقعد أحد التلاميذ ووضع العصى على كتفه وقال بصوت هادئ :

- 9 × 8 بكام ؟

وقف الطالب وهو يرتجف ويحاول تذكر الناتج ..

قطع تفكيره ضربة من العصا الملعونة على مؤخرته في عنف .. وأعاد المدرس السؤال ببرود :

- 9 × 8 بكام ؟

قال المسكين وهو يبكي بحرقة خوفاً من العقاب المنتظر :

- مش فاكر يا أستاذ .

- يعني أيه مش فاكر ؟

- نسيت والله يا أستاذ .

- أفتح أيدك يا فاشل .

تردد في الفصل صوت العصا وهي تهوي على يد ذلك المسكين في قسوة , وكانت أجسامنا تنتفض لا إرادياً عندما تلمس العصا يد زميلنا .. وكلنا يدعو الله أن لا يكون الدور القادم هو دوره .

هم الطالب بالجلوس وهو يبكي .. فقال له المدرس بصوته البارد المقيت :

- أنت بتعمل أيه ؟؟ خليك واقف يا فاشل ..

وتوجه إلى الطالب الذي أمامه ووضع عصاته على كتفه وقال:

- قم أنت وقل لزميلك الفاشل 9 × 8 بكام .

تعالى صوت بكاء الطالب الثاني دون مقدمات .. ليعلن فشله في الإجابة هو الأخر ، وفتح يده تلقائياً ليتلقى العقاب .. إلا أن المدرس القذر رجع خطوة إلى الوراء عند الطالب السابق وأشار له بفتح يده وضربه ضربه واحدة .. وقال له :

- كدة كام عصاية يا فاشل ..

- خمسة يا أستاذ ..

- برافو .. كدة أنت بقيت كويس في الجمع .. فاضل الضرب .. أظن مفيش ضرب أحسن من كدة !!

وتوجه للطالب الأخر وضربه خمس عصي متتالية وأمره بألا يجلس هو أيضاً .. وسال التلميذ الذي بجواره :

- قوم جاوب أنت .

ولم يعرف هو أيضاً ..

فعاد المدرس إلى أول طالب و ضربه عصى واحدة .. ثم توجه إلى الثاني وضربه هو الأخر عصى واحدة .. ثم ضرب الأخير ست عصيات متتالية ..

وفوجئت بالعصا فوق كتفي أنا .. ورفعت رأسي للمدرس الذي قال:

- أنت معروف هنا باسم (عبقرينو) ، قف يا (عبقرينو) وريني نفسك ..

وقفت أنا ، وسألني هو :

- 9 × 8 بكام ؟

نظرت لعينه في برود مماثل وأجبت :

- بـ 72 يا أستاذ .

نظر المدرس إلى التلاميذ الواقفة كأنه يؤلمه من استكمال متوالية العقاب ، ونظر إلي مرة أخرى وقال:

- طب 8 × 9 بكام ؟

- نفس الناتج ، 72 .

- 6 × 12 ؟

- برضه بـ 72 .

- و 56 ÷ 8 ؟

- بـ 7 يا أستاذ .

بدأ غيظ المدرس يتصاعد شيئاً فشيئاً ..

- طيب 18 × 2 ؟

- مع أننا ماخدنهاش ، بس بتساوي 36 .

- وعرفت أزاي ؟

- عشان قسمت 18 على 2 ، وضربت الـ 2 التانية × 2 ، يعني 18 × 2 = 9 × 4 = 36 .

- برافو عليك .. طب زملائك أخدوا كام عصاية لحد دلوقت ؟ كلهم مع بعض ..

- 18 .

- جميل .. 18 ÷ 2 فيها الكام ؟

- 9.

- يبقى على كل أيد 9 عصيان .. شفت بقى العملية سهلة ازاي؟

- 18 عصاية ؟ ليه أستاذ ؟ أنا عملت أيه ؟

- شكلك بتاخد دورس خصوصية برة .

- دروس أيه بس ، وحياة ربنا مش باخد دروس ولا حاجة يا أستاذ .

- لا بتاخد .. أفتح أيدك يا ولد ..

****************

الحصة الرابعة : دين .

مدرس التربية الدينية يدخل من الفصل .. يتجه إلى السبورة ويغير اسم المادة إلى (التربية الدينية) .

ويستدير لنا ويشير بقرف إلى أربعة تلاميذ ليخرجوا من الفصل ، وخرج (بيتر ، عماد ، مايكل ، ماريز) في صمت ..

وبدأ يشرح بلا حماس في السيرة النبوية ..

- يا أستاذ ممكن سؤال ؟

- عايز أيه يا زفت أنت ؟

- هي (ماريز) راحت فين ؟

- خرجت برة في داهية ..

- ليه ؟

- عشان هي نصرانية !

- يعني أيه نصرانية يا أستاذ؟

- يعني مش مسلمة ..

- طب ليه مش مسلمة ؟ وليه بتقول عليها خرجت في داهية ؟

- مش عاجبك واللا أيه ؟

- ماريز جميلة أوي يا أستاذ .. حرام تقول عليها كدة ..

- أيوة بس دي كافرة ..

- كافرة ؟؟ ما حضرتك اللي خرجتها برة .. فيها أيه لو كانت قعدت معانا ؟؟ عشان خاطري يا أستاذ ..

ودون سابق إنذار توجه إلي المدرس وأخذ يكيل لي اللكمات على وجهي والركلات على جسدي دون شفقة أو مراعاة لحجمي الصغير .

!!!!!!!

****************

هنا أنتفض غضبي فجأة وبدأ يزمجر بطريقة مسعورة .. واكتفيت أنا بهذا القدر من المشاهدة لأحداث الماضي .. ووقفت بجانب غضبي كأني قائد في الجيش وأشرت نحو المدرسة وصرخت في غيظ إلى غضبي المتحمس بجواري :

- إلى بهؤلاء السفلة .. الآن .

ضرب غضبي قدمه في الأرض بقوة ، وركض نحو مدرستي وعاد بعد لحظات ويتدلى من فمه كل المدرسين الذين قاموا بتعليمي .. وألقاهم على الأرض وهم يتأوهون من الألم والخوف من غضبي والذي أحمرت عيناه بطريقة مرعبة ، ووقف أمامهم وهو يزمجر في تحفز ..

ومشيت أمام ببطء صامت مشبكاً يدي خلف ظهري ، كأني أزيد الموقف رهبة ..

ثم تكلمت قائلاً :

- في طفولتي كنت أتمنى أن أكون ضابط شرطة .. ليس حباً في الوطن معاذ الله ، ولكن كي أقتل بمسدسي كل المدرسين والأطباء وأريح العالم من شرورهم .. وعندما كبرت أكثر وزاد البطش من حولي حتى جاء من ضباط الشرطة أنفسهم ، كرهت حياتي .. كرهت نفسي .. كرهت وطني .. كرهت رئيس بلدي .. كرهت العلم ..

توقفت عن الكلام فترة .. ثم نظرت في وجوههم وقلت في بطء :

وكرهتكم أنتم شخصياً .. أنتم سبب البلاء لوطني .. لولاكم أنتم لجاء جيل متفتح على قدر المسئولية يقدر على قيادة دفة المستقبل ويرسو بها على شواطئ الأمان .. كان ممكن أن تعلمونا أن نقول ما بداخلنا مهما كانت شذوذه أو غرابته .. كان من الممكن أن نكون فكرنا الخاص بنا .. تخيلوا لو وجد في وطننا20 مليون شاب له 20 مليون فكرة !!

لكن للأسف ..

علمتمونا كيف نسجد للصنم الذي اسمه (رئيس الجمهورية) .. أسجدوا له يا أولاد .. فهو الرئيس الحي الذي لا يموت .. هو الرئيس الواحد الأحد .. الرئيس الصمد !! فقط أسجدوا للصنم ..

واشتركوا في حزبه يا أولاد .. (الحزب الوثني الديمقراطي) .. فمن دخل بيت الحزب فهو آمن .. أشتروا مستقبلكم يا أولاد ..

اقرءوا لكتب حرم الرئيس يا أولاد .. تلك السيدة الفاضلة .. التي تهتم بأطفال مساكين مثلكم .. وتقيم لكم الحدائق والمكتبات والمهرجانات .. غنوا لها يا أولاد ..


ما أنتم إلا أبواق دعاية لنظام الحكم الفاشل .. قتلتم تفكيرنا في طفولتنا ، وسلمتمونا للمستقبل بعقول عفنة أكلها التخلف والسلبية والتفاهة ..

مناهج الوزارة ؟؟

أهذه حجتكم ؟

أتحشون عقولنا بما تيسر لكم من صديد التخلف طوال هذه السنين وتسمونه علم ؟ أي علم هذا ؟ وأي علم يدرس بالعصا والإهانة والسباب؟ هل نحن مجرد حمير في نظركم ؟ هل أنتم (عربيجية) لتعلموا الحمير ؟؟

كرهتكم كلكم أيها الأوغاد والسفلة ..

من أجلكم كرهت كل شيء ..

كرهت العلم ..

كرهت الوطن ..

كرهت الدين ..

كرهت البشرية ..

كرهت الذل ..

كرهت نفسي ..

ثم أشرت إلى أحدهم وقلت في صوت هادر :

- أنت .. تعالى هنا أيها الحيوان ..

جاء مدرس العربي وهو يرتجف من الخوف .. ليس مني طبعاً ولكن من الغضب الرابض بجواره ..

- الرحمة .. الرحمة ..

- لعلك تعرف أنك تطلب الرحمة ممن لا يرحم .. أنا لست رحيماً أبداً ..

- أرجوك ..

- لن يفيد رجائك هنا .. ثق تماماً من ذلك .. طلبت مني وأنا صغير أن أتبول على قبرك إن فلحت .. كيف سولت لك نفسك أن تقول ذلك لطفل صغير أيها السافل ؟ هل كنت تطلب ود مدرسة الرسم الخرقاء التافهة مرة أخرى على حسابي أنا ؟ هل تجردت من بقايا إنسانيتك لتتفوه بذلك ؟

- الرحمة ..

- وهل رحمتني وأنا صغير ؟ هل رحمت أحداً من التلاميذ الآخرين ؟؟ ستموت الآن أيها الجلف .. ستموت ببطء كما قتلتني ألف مرة وأنا صغير .. واطمئن ، لن أتبول على جثتك أو قبرك ، فبرغم كل ما مررت به لازلت بشر واحترم حقوق البشر .. سيكون مدفنك في بطن غضبي .. قبر متحرك صنعته أنت وأفعالك من سنين طوال .. تعذب ومت الآن ..

وأشرت إلى غضبي في إشارة فهممها على الفور .. فبدأ يعوي ويزأر في مزيج مخيف وهو يتجه إلى ضحيته في بطء .. وبدأ ينهش في هدوء قدم معلمي الذي لم يكد أن يكون رسولاً في يوم من الأيام .. وتتعالي صرخات الأستاذ وأنا أتأمله في هدوء وأتلذذ برؤية الخوف من عيون المدرسين الآخرين .. أنتهى غضبي من قدميه .. ثم ذراعيه .. وبعدها أذنيه .. ثم أجهز عليه مرة واحدة إلى أن سكتت صرخات عزيزي مدرس العربي تماماً ..

وأشرت بعد ذلك إلى مدرسة العلوم .. فجاءت في صمت .. وهي تبكي وتتذكر مصير مدرس العربي والذي سيكون مصيرها هي الأخرى بعد قليل ..

قلت لها في برود :

- لماذا لم تستمعي لتلاميذك ؟؟ لماذا لم تشجعينهم على التفكير وتكوين الآراء ؟؟ لماذا كنتي تسألينا عن وظائف أولياء أمورنا ثم تعاملينا حسب أهمية وظيفة ولي أمرنا بعد ذلك ؟؟ لماذا ميزتي ابن لواء الشرطة عن باقي تلاميذ الفصل ؟؟ فإن أجاب إجابة خاطئة تضحكي في دلال وتقولي : (معلش يا حبيبي .. المرة اللي جاية حتجاوب صح ) .. وإن نسى كراسة الواجب تقولي : (مش مشكلة يا حبيبي .. أنا عارفة أنك كدة أو كدة عملت الواجب بتاعك) .. والآن ابن لواء الشرطة أصبح ضابط شرطة .. ولكنه يملك مخ ذبابة غبية .. ولا يمارس غبائه إلا مع الناس البسطاء الشرفاء .. فأين الآن اللواء والضابط كي يدافعوا عنك من غضبي ؟؟

بدأت الأبلة العزيزة تولول وبدأ عويلها يتصاعد ..

إلا إني أشرت لها وقلت ..

- مهماً كان أنتي امرأة .. وأنا ليس بوحش كاسر على أي حال .. أذهبي يا أبلة .. أذهبي .. أنتي حرة .. فغضبي محرم على النساء ..

لم تصدق نفسها وحاولت تقبيلي عنوة فرحة بنجاتها وقالت كلام هستيري غير مفهوم .. إلا إني أبعدتها برفق ، فذهبت وهي تكاد أن تطير .. لو لم تكن أنثى لتغير الوضع تماماً ..

عزيزي وحبيب قلبي .. مدرس الحساب .. تعالى إلى لترى ماذا يحضر لك (عبقرينو) !!

جثا المدرس تحت قدمي وهو يقول :

- الآن فقط عرفت جريمتي .. سامحني .. لم أعرف أنك تكره عصاي لهذه الدرجة .. فأنا لم أجربها على نفسي ، لم أعرف أبداً مدى قسوتها .

- وحتى لو جربتها على نفسك أيها السادي .. هل قوة تحمل رجل كبير مثلك نفس قوة تحمل طفل صغير بائس مسكين مذعور ؟؟ هل تعرف وقع حيلك القذرة على نفوسنا الصغيرة ؟؟ هل تعرف ما يحدث بعد خروجك من الفصل ؟؟ هل تعرف ضحيتك الأولى تتحول إلى جلاد بعد خروجك ويبدأ بضرب كل تلميذ لم يقم بالإجابة بعده .. لقد أوجدت الحقد في نفوسنا البريئة .. أبدأ الآن بحساب عدد صرخاتك , ثم أضربها في مجموع أسنان وأنياب غضبي .. وأقسمها على وزنك وأطرح منه عدد العظام الموجود فيك .. سيكون الناتج عدد القضمات التي سينهشك بها غضبي .. أبداً الحساب الآن أيها النازي الملعون ..

وأشرت لغضبي في برود .. وبدأ عمله اللذيذ الممتع ..

مدرس الدين ..

تأملته في صمت ..

لازال كما هو ..

الذقن الطويلة المشعثة .. العينان القاسيتين .. الحاجبين المعقودان طوال الوقت .. أسنانه الصفراء .. رائحة أنفاسه الكريهة .. العصبية الغير مبررة ..

المصيبة أنه كان يقنعنا بأنه ملامحه تملاؤها (رضا الله عليه .. ووجهه يشرق بنور الإيمان !!)

جلست أمامه على الأرض في بساطة ..

ونظرت أيضا إلى الأرض وأنا أحدثه :

النظافة من الإيمان ..

حديث شريف ، أليس كذلك ؟؟ كنت تشرحه لنا وثيابك متسخة ورائحة العرق تغزو أنوفنا الصغيرة ..

أي نظافة تقصدها يا أستاذ ؟؟


الفتنة أشد من القتل !!

حديث أخر ..

لماذا لم تشرح لنا بأن معنى الفتنة ليست نقل كلام شخص إلى أخر ..

الفتنة معناها : (مستحدثات الأمور التي تلهي عن عبادة الله )

وهل أمرك الله أن تعامل تلميذاتك بقرف باعتبارهن شيطانات المستقبل ؟؟

حكمت عليهن بأنهن سيصبحن متبرجات وسافرات !!

وكنت تحذرنا من النساء ، ومكر النساء .. وأن الشيء الوحيد الذي خلقه الله ثم استعظمه هو مكر النساء ..

وقفت بهدوء أخذت أدور حوله .. ثم وقفت أمامه فجأة ونظرت في عينيه لأول مرة منذ طفولتي وقلت له وأنا أجز على أسناني :

هل تعرف ما أصاب (ماريز) بسببك ؟ هل كنت تسمع بكائها الصامت عندما يدعوها الأطفال بالـ (كافرة) ؟؟ هل علمت بالفتنة التي أقمتها في المدرسة أيها الأحمق المعتوه؟ هل كنت تعلم بماذا كان الأطفال يغنون لمايكل أثناء الفسحة ؟؟ هل عرفت لماذا كان تلاميذك يكرهون عمليات الجمع الحسابية ؟؟ بسبب علامة الزائد والتي أوهمتهم بأنها هي علامة الصليب .. وكنت تجلس وتوزع الجنة على تلاميذك المفضلين كأنها بيت أبوك أو مسجلة باسمك في الشهر العقاري .. وتوزع النار التلاميذ الخائبين من أمثالي .. وتوصف لنا شياطين جهنم وهي تنهش في لحمنا ، والنار تلسعنا ونحن نصرخ في عذاب ونطلب الرحمة .. لك عندي عقاب من نوع أخر هنا .. ستتمنى الموت ألف مرة يا عزيزي ولن تناله .. استعد ..

وبدأ غضبي يقوم بما أمرته من عقاب لهذا الأخرق خصيصاً والذي لن أذكره هنا لبشاعته ..

المزيد والمزيد من المدرسين ينتظرون العقاب ..

مدرسة الرسم التي كانت تبدأ الحصة بطرح موضوع تافه لنرسمه ، وتترك الفصل وتخرج لممارسة النميمة مع المدرسين والمدرسات الأخرين . ثم تعود لتأخذ حقيبتها دون حتى أن تحصي كم بذرة رسام موهوب قتلت في فصلنا اليوم !!

مدرس الموسيقى الذي قتل بداخلنا أحساسنا الفطري بالموسيقى ويجعلنا نردد وراءه في غباء دون أن نفهم : ( طا تي ..نهاوند .. سيكا .. دو .. ري .. مي .. فا .. صو ..)

وغيرهم .. وغيرهم ..

وأنا أفكر كيف لجيل يخرج من تحت يد هؤلاء السفاحين أن يكتب له النجاح ؟ وكيف لأمة تحوي هؤلاء المعقدين أن تتقدم في يوم من الأيام ؟

وعند نهاية أخر مدرس على مخالب وأنياب غضبي .. أخذنا بعض التذكارات من المدرسين الأعزاء وهي عبارة عن (أصبع السبابة اليمنى) من أشلائهم ، وتوجهت أنا وغضبي نحو العرين ونحن نتقافز في مرح طفولي .. أحياناً نطارد الفراشات في الطريق .. وأحياناً نضحك ونحضن بعض بلا سبب .. إلى أن وصلنا .. وقمت بربطه ..

هنا ..

في عرين الغضب !