5‏/2‏/2008

الأستاذ.

شعرت بالخجل الشديد من نفسي عندما علمت (بالصدفة) عن وفاة الأستاذ/ جمال بدوي !!

دعوني أولاً أقدم نبذة عن هذا الرجل :

يعد الاستاذ جمال بدوي من أشهر المؤرخين في العصر الحديث.. كتب في الشأن العام والتاريخ والسياسة والفكر وقدم البرامج في الإذاعة والتليفزيون، ولقب بشيخ الصحافة المتحرر . ونال على عطائه الغزير وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولى عام 1995، كما حصل على الجائزة الاولى من جريدة "الشرق الاوسط" عن أفضل عام 1996، وحاز كتابه "أنا المصري" على اوسكار افضل كتاب في المعرض الدولي للكتاب عام 2004.

ولد محمد جمال الدين اسماعيل بدوي بمدينة بسيون بمحافظة الغربية عام 1934 ونشأ وتعلم في كتاتيبها ومدارسها الاولى، وتخرج في كلية الاداب جامعة القاهرة قسم الصحافة عام 1961، واثناء دراسته اختاره مصطفى أمين للعمل في اخبار اليوم.

انتدب عام 1972ـ مع اخرين ـ إلى دولة الامارات العربية المتحدة لاصدار صحيفة "الاتحاد" ، وشارك عام 1984 في تأسيس صحيفة الوفد مع الراحل مصطفى شردي وعمل مديرا للتحرير، ثم رئيسا للتحرير عام 1989، إلى ان استقال وعاد إلى "اخبار اليوم" وتخصص في كتابة الدراسات التاريخية في صحف مؤسسة اخبار اليوم ومجلة "المصور" بدار الهلال اسبوعيا والجمهورية والاتحاد الاماراتية والشرق القطرية.

كما أسس الراحل جمال بدوى جريدة "صوت الأزهر" عام 1999 . وأصدر حوالى عشرين كتابا في الفكر والتاريخ منها "فى محراب الفكر" الهيئة المصية العامة للكتاب 1998 و"محمد على وأولاده" 1999 و"مسرور والسياف.. واخوانه" 1996 و"مسلمون وأقباط من المهد إلى المجد" دار الشروق2000 و "فى دهاليز الصحافة" 2002 و"الطغاة والبغاة" 1996 و"مصر من نافذة التاريخ" و"مسافرون إلى الله بلا متاع" و"الوحدة الوطنية بديلا عن الفتنة الطائفية" و"حدث في مصر" و"معارك صحفية" و"المماليك على عرش فرعون" و"حكايات مصرية" و"أنا المصرى" و"من عيون التراث".

(المكتوب باللون الأحمر منقول من هذا الموقع )

بالصدفة البحتة وقع في يدي كتاب للراحل (جمال بدوي) اسمه {مصر من نافذة التاريخ} الصادر ضمن حملة مهرجان (القراءة للجميع) بتاع ماما سوزان لعام 1995!!

الكتاب يقع في 157 صفحة من الحجم المتوسط . وعندما رأيته أول مرة لم أكترث كثيراً بقراءته وظللت أتجنبه لسبب ما غير معروف لدي !! ربما لأنه يتبع المهرجان السنوي التابع لحرم جناب رئيس الجمهورية ، وأحياناً تكون هذه الكتب ناقصة وغير كاملة ويتم عرضها في تلخيص بخس يفسد مضمون الكتب نفسها !! ووجدتني يوماً أمسك الكتاب لا إرادياً وأبدأ في قراءته وأنا أخشى أن أندم أن أضيع وقتي مع (جمال بدوي) والذي لم أسمع عنه من قبل !!

مبدئياً كان الكتاب يتكلم عن التاريخ .. تاريخ مصر .. واستهل الكاتب بشخصية (شجرة الدر) – بالمناسبة : أسمها الحقيقي شجر الدر وليس شجرة الدر – والتي وصلت إلى حكم مصر في فترة تاريخية حرجة جداً توالت فيها الهزائم والحروب والدسائس والصراعات على السلطة على مصر !! وكان (أ/ جمال بدوي) يتساءل: كيف وصلت هذه الزهرة المتوحشة إلى عرش مصر .. فهي ولدت صعلوكة وتربت صعلوكة !!

ووجدت نفسي أتعايش وأندمج مع الأحداث بطريقة سلسة للغاية جعلتني أنتقل بخيالي إلى الماضي .. فأحياناً أتخيل نفسي أعيش في القصر مع (شجر الدر) كحارس يسمع ويستمتع بالنميمة التي تدور في ثنايا القصر ، ولكن مهمتي أولاً وأخيراً هي حماية ملكة مصر ولو ضحيت بحياتي فدائها ..وأحيانا أخرى أجد نفسي وصيفة الملكة الأولى ، حيث تتكئ الملكة كل ليلة على قدمي وتحكي لي هموم ومشاكل (شجرة الدر) الملكة .. واعترافات وحكايات عشق (شجرة الدر) الإنسانة !!

ثم يذهب الأستاذ إلى مرحلة الحملة الفرنسية ، ثم الحقبة التي تلت الحملة .. مروراً بمحمد علي الكبير ويشرح لك مزايا حكم هذا الرجل وعيوبه .. ويشرح لك بتأني كيف حدثت مذبحة القلعة والتي توقف عليها أحداث جلل في تاريخ مصر بعد ذلك .. وما فعل أبناء محمد علي بعده في الحكم .. هل كانوا بالصورة البشعة التي نعرفها عنهم ؟؟ أم بعض منهم لهم إنجازات تاريخية لا تنسى !! ثم ينتهي الكتاب بفصل (تحرير المرآة المصرية) أيضاً من خلال نافذة التاريخ .

يتميز الأسلوب السردي للأستاذ (جمال بدوي) بالسهل الممتنع .. فهو يوصف لك ما حدث في الماضي ، ويتركك لمشاعرك الخاصة لتختار انطباعك الخاص كيفما شئت ..

وفوجئت بانتهاء الكتاب سريعاً في يدي .. تماماً كمن يفاجأ بانتهاء كوب الماء الذي في يد شخص لازال يشعر بالظمأ الشديد .. ولعنت في سري مهرجان (القراءة للجميع) الذي يسمح بذبح صفحات الكتب بهذه الطريقة المهينة .. من سمح بإصدار تاريخ فترة مهمة من تاريخ مصر في 157 صفحة فقط؟؟ وكيف ؟؟ وقرأت الكتاب بعد ذلك مرة ثانية .. وثالثة .. وكل مرة يبهرني ذلك العالم الساحر الذي أدخل فيه بإرادتي ..

وبدأت رحلتي في مطاردة كتب الأستاذ (جمال بدوي) في كل مكتبة أدخلها .. وكم ألمني دهشة أصحاب المكتبات عندما أنطق اسم جمال بدوي !! يبدو الاسم غريباً عليهم نوعاًَ ما .. ومنهم من حاول تصويب الاسم لي على أنه : (جمال حمدان) .. وأنا أقول في إصرار : (جمال بدوي) ..

ستة أشهر تقريباً ولم أعثر على كتاب واحد للأستاذ !!

حتى في معرض الكتاب .. دخلت أجنحة كبار هيئات النشر .. وبحث بعيني المرهقتين عن اسم (جمال بدوي) في لهفة ، ولم أفلح أيضاً !! وبالصدفة البحتة دخلت جناح (دار الهلال) وقررت السؤال مباشرة لإصابتي بالزغللة في عيني جراء البحث الدءوب ، رد علي البائع بثقة ارتحت لها نوعاً ما : (تقريباً يوجد كتاب واحد لجمال بدوي) .. رددت عليه في لهفة : (إلي به من فضلك) .. ويبدو أن لهفتي للكاتب أثارت تعاطف ذلك الرجل فقال : (أسمع .. أعتقد بأننا نملك عدة كتب لهذا الكاتب .. سأحاول مساعدتك في البحث عنها هنا .. وأنت أيضاً عليك البحث معي) .. نظرت لهذا الرجل نظرة تعبر عن امتناني العميق جداً لمساعدته لي .. وتردد في عقلي أغنية (عظيمة يا مصر) لثوان قليلة .. وبعدها نفضت إرهاقي وأكملت البحث عن الكنز المفقود والذي لا توجد خريطة له .. وبعد فترة قال لي الرجل : للأسف لا يوجد إلا كتاب واحد له .. قلت له في لهفة طفولية : لا يهم ، سآخذه !! ونقدت الرجل ثمن الكتاب وشكرته بحرارة على مجهوده معي .. وخرجت من الجناح وأنا ممتلئ بأحاسيس الفخر كأني قائد منتصر في معركة حربية حامية الوطيس كما يقولون .. ولم أشعر بنفسي وأنا أخرج من أرض المعارض وابتسامة غامضة تعلو وجهي ..

في سنوات دراستي الأولى بالمدرسة .. كنت أعشق حصص العربي والتاريخ بصورة خاصة .. وكنت أتابع مدرس التاريخ والجغرافيا بلهفة عندما كان يتكلم عن التاريخ والشخصيات التاريخية : عرابي ، سعد زغلول ، نفرتاري ، مصطفى كامل ، رمسيس الثاني ، سيكننرع ، جمال عبد الناصر ، مينا ، محمد علي ، توفيق ، إسماعيل ، طوسون ، قطز) .. كانت الأشخاص التاريخية بالنسبة لي هم أنصاف آلهة لا يخطئون أبداً .. وكانت أكثر شخصية أثرت في هو (جمال عبد الناصر) ..

ثم تنوعت بعد ذلك مطالعتي للكتب الخارجية بجانب كتب الوزارة .. وبدأت أكتشف تناقضات مريبة بين ما نتعلمه في المدارس وخارجها .. أحمد عرابي تورط في ثورة شعبية لا قبل له بها ، وكانت عبارة عن تجمع غوغائي غير مدروس وغير معروف عواقبه ، حتى معاركه الحربية خسرها كلها (التل الكبير) ، وكان المنهج التعليمي لمادة التاريخ يبرر هزيمة عرابي بالخيانة وبشاعة المحتل الإنجليزية وعدم توافر الأسلحة الحديثة وأغلبية الجيش كانوا من الفلاحين البسطاء ورعونة الخديوي توفيق !! كل هذا مبررات فشل أحمد عرابي والتي تسببت في نفيه إلى سريلانكا !! فماذا قالت لنا كتب وزارة التربية والتعليم عن خفايا الأحداث ؟؟!!

سعد زغلول كان مدمن قمار ؟؟ يجوز كان له ريادي في جلاء الانجليز عن مصر ! ولا شأن لنا عن حياته الشخصية !! فهو بشر وله هفوات ، فإذا كان يسلي وقته في المنفى بلعب القمار فهذا شأنه ، ولكن ليس بأن تتناوله كتب الوزارة كشخصية أشبة بالملائكة .. وتقول عن إنجازاته (تأسيس حزب الوفد) !! وهل سيعلم تلميذ في المرحلة الإعدادية عن معنى حزب أصلاً ؟ أو اختلاف مضمون حزب الوفد عن الحزب الوطني ؟؟ بالمناسبة : سعد زغلول هو صاحب المقولة الشهيرة (مفيش فايدة .. غطيني يا صفية) ولا يعلم أحد هل يقصد مرضه أم شعب مصر ..

الخلاصة : عندما وجدت نفسي ضحية تعليم أحمق ضحل لبلد كتب عليه الانغلاق والعفن الفكري والتربوي والتعليمي .. قررت أن أبحث عمن يعلمني من جديد !! وكان منهم الأستاذ (جمال بدوي) .

فاللهم أغفر له حياً وميتاً ..

هناك 3 تعليقات:

ayar يقول...

جمال بدوى انا عرفته من برامجه اكتر وحبيت خفة دمه موت لما جه مع منى الشاذلى فى العاشرة مساء بعد واقعة الاعتداء عليه .. وطبعا مكتبتنا عامرة بكتب جمال بدوى المؤرخ العظيم .. لو عوزت كتب ليه ياوائل يسعدنى اسلفهملك بس ترجعهم تانى عشان بابا ميدبحنيش ..الله يرحمه يارب ويرزقه ويرزقنا فسيح جناته يارب .. ويارب يعوضنا بمؤرخ عظيم زيه.. اتمنى

عرين الغضب يقول...

الأستاذة الفاضلة القديرة الدكتورة آيار :
وردت إلينا أنباء عبر مصادرنا الخاصة بأن السيد / حسن والد سيادتكم يمتلك مكتبة عامرة بكتب الرائع الراحل : أ/ جمال بدوي .. وبالتأكيد يجاورها كتب أخرى رائعة!!
ونحن إذ يسعدنا بأن نكن لوالد سيادتكم بالعرفان والتحية لدوره السامي في نشر الثقافة الجادة بين بناته ..

بالنسبة لموضوع الاستعارة ..
فيسعدني أن أبلغ سيادتك بالآتي :

الكتب يا آيار ليها تعامل آخر معايا .. لما بكون ماسك كتاب وأقراه .. بشيله كأن أم بتشيل أبنها .. يعني بكون حنين جداً مع الكتاب .. واهتم جداً أن يكون الكتاب في حالة ورقية عافية .. وخلال سنوات عمري أكتسبت خبرة طب جراحة الكتب .. ويمكنني بسهولة تامة إجراء عملية مفتوح لأي كتاب مصاب ..

من الآخر يا بنت عمو حسن ..
لو حصل نصيب واستعرت منك كتاب .. حيرجع لك زي ما هو ..


وشوية البكش اللي في الأول دول انا كتبتهم تمهيداً للاستعارة ..
شغل على مية بيضة بقى ..

(وش بيموت من الضحك )

شكرا يا يوري ..
تحياتي لعمي / حسن .
وائل

ayar يقول...

انت تؤمر ياباشا خد الكتاب واعمل فيه اللى يريحك .. واحنا علينا نتضرب بدالك .. عادى!! هههههههه