8‏/3‏/2008

(هو ) !!

لست متأكدة أذا كان مسموح لي بطرح قصتي هنا أم لا !!

احتمال كبير أن يكون هذا الأمر غريب عليكم أنتم !!

ولكن على الرغم من ذلك سأفعله ، وليحدث ما يحدث ..

دعوني قبل أن أبدأ في سرد قصتي الطويلة نوعاً ما أن أقوم بتعريف نفسي حتى لا يحدث لغط منكم ..

لنقل أن اسمي هو : غادة !! وأرجو أن تتفهموا حقي في الحفاظ على سرية أسمي الحقيقي .. عموماً اسمي لن يهمكم بشيء .. حتى أنه لن يؤثر إطلاقاً على مجريات أحداث القصة !

ستكون أحداث قصتي هذه مركزة على شخص تعرفوه أنتم جيداً..

في الحقيقة هذا الشخص هو صاحب هذه المدونة !! مدونة (عرين الغضب) ..

شخص اسمه (وائل عمر) !!!

دون تدخل منه بالمرة ..

ولا تسألوا كيف استطعت أ نا أن أنشر هذه القصة هنا ..

...

قلت أن أسمي هو (غادة) ..

أعيش في أحدى محافظات غرب الدلتا .. وأعمل في أحدى البنوك التجارية التي انتشرت مؤخراً في مصر تحت مسميات عديدة معظمها أجنبية .. أنا هنا في مكان عملي في البنك .. بالتحديد خدمة العملاء في الطابق الثاني من المبنى الذي يقع فيه هذا البنك..

من خلال عملي هنا لفترة تجاوزت العامين رأيت أنماط كثيرة من البشر ، بعضهم يتمتعون بسلوك متحضر راقي مهذب ، وبعضهم همجي سوقي يفتقر إلى أبسط قواعد التعامل الإنساني .. أما الفئة الباقية فهي الفئة المعتادة لسلوك شعبنا المصري : التحدث بصوت عالي ، الفضول ، الاستعجال ، الشعور بالقلق الخفي في الأماكن الفارهة مثل البنك ... الخ) .. وصرت استطيع الحكم على أي شخص هنا من خلال نظرة واحدة سريعة لا أكثر .. وذلك لكثرة احتكاكي المباشر بعملاء البنك ..

أحياناً أشعر بالملل .. وأحيانا أخرى بالضيق .. وفي الغالب أحاول الانغماس أكثر في العمل كي يمر اليوم بسرعة ..

نسيت أن أذكر أني كثيراً ما تعرضت هنا للمعاكسات والمضايقات من عملاء لزجين ، فهم يروني جميلة وجذابة نوعاً ما .. مع العلم بأني لا أضع مساحيق تجميل إطلاقاً ، وشعري ملفوف بعناية تحت (الطرحة) ولا يبدو منه شيئاً .. حتى ملابسي أحرص على أن لا تكون ضيقة أو ملفتة للنظر .. فقط أنا أهتم بتناسق الألوان ويهمني جداً أن أرتدي شيئاً أرتاح له !!

على الرغم كل ذلك .. أتلقى محاولات حقيرة من بعض العملاء لفتح حوارات جانبية غرضها الأساسي تبادل أرقام الهواتف المحمولة ليتسنى لهم التسلية بي بعد ذلك ، لكن محاولتهم دائما تصد بالحزم مني أو باستدعاء زميل أخر ليحل محلي حتى يرحل العميل السخيف ..

بنت عادية .. أليس كذلك ؟

حتى جاء ذلك اليوم ..

عندما رأيته أول مرة ..

(هو)!!

- من فضلك يا آنسة .. الأستاذ / تامر فين ؟

- الأستاذ / تامر راح مشوار وحيرجع بعد حوالي ربع ساعة .. أنا لسة مكلماه دلوقتي على الموبايل .

- أه .. أوكي .. شكراً ..

- العفو ..

ثم توجه إلى مكان الانتظار والذي يقع أمام مكتب مباشرة .. كان يجلس بكل بساطة وكأنه وحده يملك الزمن ..

نسيت وجوده تماماً واستكملت عملي بغير حماس .. ربما بسبب الملل !! أو لأن اليوم نسبة العملاء المملين مرتفعة عن المعدل الطبيعي !! من يدري ؟؟

- أحم .. من فضلك يا آنسة .. الأستاذ / تامر أتأخر عن 20 دقيقة .. يا ترى ممكن أخد رقم موبايله وأتصل بيه أنا؟

- أنا قلت لحضرتك أنه جاي بعد ربع ساعة .

- تمام .. والربع ساعة دي فاتت من خمس دقايق .. وأنا ورايا شغل ..

- أنا أسفة .. مقدرش أديك نمرته .. معلش حضرتك أستناه شوية كمان ..

توقعت منه أن يثور كعادة عملائنا الكرام الذين يتحججون بأنهم في عجلة من أمرهم .. أو ذاهبون لقضاء مصلحة مهمة في مكان أخر .. إلا أن هذا الشخص ابتسم فجأة وقال في هدوء :

- أوكي .. حاضر !

وعاد بالفعل لنفس المقعد بنفس بساطة المرة السابقة .. وأنا أتابعه بنظرات تملأها الذهول من رد فعله الغير متوقع بالمرة .. واضح أنه شخص غريب الأطوار !!

نفضت شرودي وعدت إلى عملي مرة أخرى ..

فلا داعي أن أشغل ذهني بشخص سيتلاشى من ذاكرتي بعد فترة وجيزة !!

إلا أنني وبدافع الفضول الأنثوي نظرت له مرة أخرى ، فوجدته ينظر إلى السقف بكل اهتمام .. ويحدد بصره على مواقع كاميرات المراقبة ، ثم ينظر إلى أجهزة الإنذار المعلقة بالسقف !! والأغرب أنه تابع الأسلاك المتدلية من السقف ويتأملها ملياً .. ثم ينظر بتحدي إلى رجال الأمن المنتشرين في الطابق .. وبنفس نظرته الغامضة كان يتأمل جانبي كل حارس أمن ، واضح أنه يستكشف هل يحملون أسلحة أم لا !!

رباه !! هل ينوي هذا الأحمق سرقة هذا البنك ؟؟

لو حدثت سرقة في البنك لكان هو المسئول عنها بدون شك.. على العموم بياناته عندنا كاملة .. لن أتردد لحظة في التبليغ عنه لو حدث شيئاً ما ..

ولكن هل لازال العالم يبتلى ببلهاء أمثال هذا الشخص ؟؟

ثم واصلت عملي ونسيت وجوده تماماً .. حتى أنني لم ألاحظ متى غادر !!

************************

بعد شهر تقريباً رأيته .. يدخل مكتبنا في هدوء يبدو مستفزاً بعض الشيء !! ولاحظت أن شكله قد تغير نوعاً ما عن المرة السابقة ، شعره يبدو طويلاً وغير منسق ، لحيته أطول من اللازم بالنسبة لشاب في سنه ، لا أدري إن كان قد غير نظارته أم لا ؟ لست واثقة من ذلك !!

لو جاء وتحدث معي مرة أخرى سأعامله بكل برود .. بالنسبة لي هو شخص غريب الهيئة تشوبه غرابة الأطوار ، مع احتمال ضلوعه في جريمة سرقه منظمة !!

ولكنه – الأحمق – مر بجانبي وكأنه لم يلاحظ وجودي !! وبدأ بركان الثأر يزأر في داخلي :

- تباً لك أيها الأحمق ، من تظن نفسك ؟؟ ألا تمتلك حس ذوقي لتلقي تحية الصباح ؟؟ وكيف لرجل كهف مثلك أن يفهم في قواعد الذوق بأي حال ؟؟

ثم بدأت أتساءل :

- ولكني لماذا أهتم باستلام تحية الصباح منه ؟؟ من هو علي أي حال ؟؟ بالنسبة لي هو مجرد صرصور مزعج جاء ليقضي مصلحته هنا ؟؟ كفاك يا (غادة) وانتبهي لعملك .. فاليوم لازال في أوله .. ولا يعلم إلا الله عز وجل كيف سينتهي .. سأبدأ الآن بنداء العميل رقم واحد .. ساعدني يا ربي !!

************************

لقد غادر العميل رقم أربعة أخيراً .. ولكم هو مرهق حقاً .. لماذا يهتم الناس بمعرفة أشياء ليست باستطاعتهم فهمها أبداً .. ولماذا يستفسر ذلك الشخص القروي عن إمكانية إصدار بطاقة صرف آلية بالدولار الأمريكي ؟؟ لا أنكر أنه أرهقني كثيراً .. ولكنه عملي وسأقوم به مهماً كان بكل رضاء .. بقيت نصف الساعة على صلاة الظهر .. علي أن أستعد للصلاة بعد عميلين على الأقل ..

- صباح الخير يا آنسة !

قطعت الصوت أفكاري .. فنظرت إلى صاحبه بسرعة وأنا أتوجس لكونه القروي قد عاد مرة أخرى ..

ولكنه كان (هو) .. ألقى التحية ووقف مبتسماً في انتظار الرد مني !!

- صباح النور ..

قلتها في استغراب حقيقي وأنا أتأمله .. أعترف أن ليست في ملامح وجهه معالم للجنون ، أو اتجاه إجرامي .. بل يبدو عليه مظهر الحكمة وقليل من الوقار الحقيقي ..

أشار إلى أسفل مكتبي وقال في هدوء :

- في ملف وقع من حضرتك جنب المكتب من حوالي عشر دقايق ، وحضرتك أكيد ما لاحظتيش .. عشان كدة أنا حبيت أنبهك ..

نظرت تحت المكتب في بطء مفتعل كأني لا أهتم بما قال .. من يدري!! قد تكون خدعة شبابية سخيفة .. إلا أني بالفعل وجدت ملف بيانات العميل الثالث .. وهممت أن أنحني وآخذه .. إلا أنه سبقني وسارع بالتقاطه ، وأعطاني أياه في بساطة وعلى وجهه ابتسامة تشجيعية .. ونظرت للأرض في حياء لا زيف فيه ، وتمتمت بعبارات شكر في خجل ، ثم رفعت رأسي مرة أخرى لأجده قد اختفى !!!

هذا الأحمق !!

أطلقت زفرة حارة مختلطة بمشاعر الغيظ .. ثم ضغط جهاز الاستعداء للعميل الخامس .. وداخلي مشاعر مضطربة ومختلطة يصعب علي فهمها الآن ‍‍!!

وأيضاً أسئلة لم أفلح أن أجد لها إجابة:

هل ظل هذا الشخص يراقبني طوال هذه الفترة حتى لاحظ وقوع ذلك الملف ؟؟

ولماذا لم أشعر به للحظة واحدة ؟؟

أين جلس ؟؟

ولماذا كان يراقبني أساساً ؟؟!!

************************

ومر شهر أخر ..

كان لابد أن أسأل نفسي :

- (غادة) !! ما الذي اعتراكي ؟؟ ما الذي أبدل حالك ؟؟ لماذا صار الفضول وحشاً قوياً ينهشك بلا رحمة ؟؟

والسبب في تلك التساؤلات هو أنني لاحظت طوال الأسبوعين الماضيين ظاهرة غريبة في أنا !! وهي – الظاهرة – إذا دخل شخص ما يرتدي ملابس زرقاء ، أو ذو لحية طويلة وشعر منكوش .. فأني ألتفت فجأة إليه وأبحث في ملامحه عنه .. هو !!

لست أدري ما سبب ذلك الاهتمام المفاجئ تجاه أحد العملاء .. والذي سيصر مهما حدث مجرد عميل لا أكثر ..

وتغيرت تلك القواعد عندما حدث ذلك الموقف الصعب بالنسبة لي .. والذي أعترف أنه هز هدوء حياتي بعنف .. وأبدل حالي تماماً !!

************************

يوم جديد في العمل .. لا شيء جديد حتى الآن .. فقط هذا العميل المزعج .. لم أر شخصاً له نفس عصبيته ، وكأنه يتحجج لرفع صوته المنفر لأتفه الأسباب .. إضافة إلى غبائه المحكم وعدم قدرته على الاستيعاب بسهوله .. كما أنه يدخن بوقاحة لا حد لها ، وينفث دخانه في وجهي كلما استعصى عليه الفهم .. هذا الشخص جدير للحصول على جائز أسوأ عميل على مدار العام بأكمله ..

ولكني لم أفهم لماذا لم أعامله كما يجب ؟! من قبل كنت أقوم بسحق من يحاول أن يتطاول علي أو على كرامتي بلا تهاون ..

إلا أني الآن أشعر أني ضعيفة جداً ..

أريد أن أفهم ما الذي يحدث لي !!

الغوث يا ربي !! ساعدني يا إلهي ولا تتخل عني يا حي يا قيوم ..

أخذت نفس عميق ، ثم طلبت من العميل أن يوقع على أوراق فتح حسابه الجديد .. فقال في لهجة ساخطة تفوح منها رائحة دخان قميئة :

- عدم اللامؤاخدة أنا معييش قلم .. ممن قلم من عندك يا (مودام) ؟

مودام ؟؟ هل أنت أعمى لهذه الدرجة أيها المأفون؟! جعلتني مدام بكلمة منك ؟؟

تذكري يا (غادة) .. العميل دائما على حق .. مهما أخطأ .. سياسة البنك الأولى تدور في رأسي وتمنعني بأن أقذف هذا الحيوان بخرامة الأوراق الثقيلة ..

درت بعيني على مكتبي بحثاً عن القلم .. ثم أكملت البحث بيدي تحت الأوراق لعلي أعثر عن القلم!! ولكني لا أجده هنا !! هل أخذه أحد الزملاء أثناء شرودي وأنا أنتظر هذا العميل ؟

- جرى أيه يا (أبلة) ؟؟ بقى بنك كبيرعريض زي ده مافيهوش قلم واحد يوحد (ربنا) ؟؟ فالحين بس في الهايلمان و(الفشخرة) الكدابة ؟؟ خلصيني .. أنا ورايا شغل .. مش فاضيلك ..

أعترف أني كدت أبكي تلك اللحظة .. للمرة الأولى في حياتي أشعر بهذا الضعف والتخاذل .. كرامتي ذبحت بلا شفقة من هذا الوغد .. تماسكي يا (غادة) ولا تذرفي دمعة واحدة الآن .. تماسكي يا (غــ ....

- أنا أسف جدا يا آنسة .. واضح أني نسيت القلم معايا وأنا ماشي .. تفضلي القلم ..

أعتقد أني أعرف صاحب هذا الصوت !!

ودرت برأسي إلى مصدره في انكسار .. فوجدته (هو) .. منحني نصف انحناءة بجانب مكتبي .. ويمد يده لي بالقلم وهو ممسك به من أخر طرفه ..

نظرت له غير مصدقة ..

عينياي مفتوحتان على أخرهما في عدم تصديق .. وجدت فمي مفتوحاً هو الأخر كأنه يشارك عينياي في انفراجتهما ..

كدت أن أقول له بأنه ليس قلمي .. إلا أنه رفع حاجبه الأيمن في سرعة ، وفتح عينه فجأة كأنه يأمرني بأخذ القلم دون تعليق مني ..

بالفعل أخذت القلم منه وأنا راضخة لقوته المفاجئة .. وارتعشت أصابعي عندما لمست أخر الطرف الأخر من القلم ..

ونظرت له مرة أخرى بنفس الذهول السابق .. فابتسم (هو) لي ثم قال :

- مرة تانية يا آنسة .. بجد أنا أسف ..

ثم التفت (هو) للعميل المزعج الذي كان يراقب الموقف برمته بريبة خبيثة وقال له وهو يضغط على حروف كلماته :

- على فكرة يا أستاذ : الآنسة واضح عليها جداً أنها بتضايق من ريحة التدخين .. من فضلك أطفي السيجارة .. وبلاش تستخدم الصوت العالي في الكلام .. صوتك واصل تحت للدور الأول .. مش باين عليها إن سمعها كويس واللا أيه ؟؟

ثم التفت وغادر المكان كدأبه الأبدي ..

شعرت لوهلة أن قلمه في يدي عبارة عن سيف ماض أعاد لي شجاعتي المسلوبة .. وكنت مستعدة لجولة أخرى أمام هذا الرجل البشع .. فمددت يدي له بالقلم كأني أصوب له ضربة قاصمة ، وقلت ببرود وأنا أثبت عيني في عينه :

- تفضل القلم .

ولدهشتي قام الرجل بإطفاء سيجارته بسرعة .. وتمتم لي في ندم:

- أنا أسف جداً يا بنتي .. ضغط الشغل مأثر على أعصابي جداً .. وطبعاً حضرتك عارفة إن سعر الدولار في النازل اليومين دول .. وأنا عمال أخسر شيء وشويات .. معلش يا بنتي .. حقك عليا !

هززت رأسي في فهم وقلت للرجل في صبر :

- مفيش مشكلة يافندم .. وربنا يوفقك إن شاء الله .. حاول بس تهدي نفسك أكتر من كدة ..

...

لن أكذب عليكم إن قلت أني شعرت بقلبي قد قفز إلى ما وراء أذني في لحظة.. وإلا ما الذي يفسر دماء الخجل التي افترشت على وجنتاي ؟؟ ضربات قلبي أشعر بها موجودة في رأسي ضربة ضربة !!

(هو) ؟؟

هل كان (هو) حقاً ؟؟

************************

الآن أنا على سريري !!

أستند بظهري على الوسادة ، وأحملق في سقف الغرفة وملامح التفكير تملأ وجهي :

هل كان حليق اللحية هذه المرة ؟؟

شعر رأسه كان قصير هذه المرة !!

كان أنيقاً للغاية وهو يرتدي الزى الأزرق المنقوش عليه شعار شركته ..

هل كان يقصد أن لا تلمس أناملي أصابع يده ؟؟

ولماذا تحول العميل المزعج إلى أرنب مذعور في لحظة ؟؟ هل تأثر من كلامه ؟؟ مع أنه خلا أي تهديد ظاهر !

لماذا كان زملائي ينظرون إلى في خبث واضح هذا اليوم ..

حتى (ميرفت) صديقتي لاحظت شرودي الذي زاد عن حده في الفترة الأخير ، وسألتني في فضول عدة مرات .. لكن خجلي كان يمنعني بمصارحتها بمشاعري الغريبة هذه !!

هل هي المراهقة ؟؟

طبعاً لا يا (غادة) .. أنتي الآن في الرابعة والعشرين ..

مرحلة المراهقة انتهت منذ زمن ..

إذن ما سر هذا الشيء الغامض الذي أشعر به ؟

ومددت يدي تحت الوسادة ، وأخرجت شيئاً ما برفق وتأملته بين يدي ..

أنه القلم ..

قلمه (هو) ..

لطالما احتواه بحنان بين ثلاثة أصابع .. وكتب به بخطه يده السيئ !!

!!!

ولكن أين رأيت خطه من قبل ؟؟

نعم تذكرت .. عندما راجعت مع (ميرفت) ملفات العملاء , ووجدت صعوبة في قراءة اسمه الثلاثي ، فاستنجدت بي وقرأته لها بصعوبة ..

ضحكنا كثيراً من خطه والذي يشبه خط طفل في المرحلة الابتدائية ..

نظرت للقلم في عمق ..

ثم قلت بصوت خفيض :

- شكراً ..

وأعدته تحت الوسادة بحرص ..

ثم مددت يدي للكمود وأخذت المصحف وقرأت فيه حتى غلبني النعاس !!

************************

البنك مرة أخرى ..

نظراتي للباب قد زادت في الآونة الأخيرة ..

الكل لاحظ ذلك , وإن لم يفهم معظمهم السر في ذلك .. لكنها أصبحت عادة لي ..

أحياناً في الأوقات الغير مزدحمة أرمق الباب وأشرد ..

فأتخيله يدخل الباب على حصان أسود .. ويرتدي (هو) ملابس فارس روماني في أوقات الحرب ..

وأحياناً أتخيل وقوع سرقة للبنك .. فيهبط هو من السقف ويصرع اللصوص بقبضته العارية ، وينقذ الرهائن .. ثم يأتي إلى مكتبي ويعطيني قلم أخر ويبتسم لي .. ثم يختفي بعدما انتهت مهمته ..

- (غادة) .. أنتي رحتي فين يا بنتي ؟؟

- أيوة يا (ميرفت) .. أنا أهو ..

- أهو فين يا بنتي بس .. أنتي مش معانا خالص ..

- قولي لي يا (ميرفت) .. أيه مواصفات فارس أحلامك ؟؟ قصدي يعني من وأنتي صغيرة , كنتي بتتخيليه إزاي ؟؟

- أه .. أنا قلت كدة برضة .. شوفي يا ستي .. في الأول كنت بحلم بواحد زي (رشدي أباظة) في فيلم (صغيرة على الحب) !! تحسي أنه وحش كدة وعليه سيطرة قوية بالنسبة للي حواليه .. بس قدام (سعاد حسني) كان بينقلب لقطة وديعة وطفل رقيق ..

- واو يا (ميرفت) .. اختيار جميل فعلاً ..

- واو أيه يا شيخة ؟؟ أستني عليا .. هو أنا لسة خلصت ؟

- كملي يا ستي .. حقك عليا ..

- أيوة كدة .. بعدين عجبني شقاوة (حسن يوسف) و (أحمد رمزي) .. ورومانسية وشهامة (صلاح ذو الفقار) .. وزاد عليها فروسية ونبل (أحمد مظهر) ..

- معقول يا (ميرفت) كل دول ؟؟

- أصلي أنا عاملة احتياطاتي .. لو كل دول ماكانوش في العريس .. على الأقل تبقى فيه حاجة واحدة من أي حد فيهم !!

- لأ واعية ..

- إنما أنتي بتسألي السؤال ده ليه ؟

- عادي .. ورد في بالي وحبيت أخد رأيك فيه ..

- آه .. طيب .. أنا رايحة مكتبي .. في ناس بدأت تيجي تاني .. أستر يا رب !!

- أوكي ..

************************

أين ذهب طوال هذه المدة ؟

ثلاثة أسابيع ولم يظهر ؟؟

غريبة ؟؟

أتراه حدث له مكروه ؟؟

أين ذهب ؟؟

فوجئت به يدخل ببساطته المعهود من الباب .. ووقف قليلاً في أدب انتظاراً لسيدة عجوز تريد الخروج من الباب في خطوات بطيئة .. عرض عليها مساعدتها في نزول السلم ووافقت هي .. الآن هو يخرج من الباب مرة أخرى مع السيدة !!

عد أيها الأحمق !!

أين ستذهب ؟؟

لا تتركني هنا وحدي ..

عد ..

!!!

وبالفعل عاد مرة أخرى .. وتوجه إلى مكتبي مباشرة وقال :

- صباح الخير يا آنسة (غادة) .

رددت باستغراب وذهول :

- صباح النور يا افندم ..

- في الواقع أنا مش قصدي أزعجك .. بس النهاردة أنا جاي أصرف شيك لشركتي في الشباك تحت .. بس في حاجة أنا عايز أستفسر عليها بالنسبة لحسابي الخاص .. يا ترى أحجز رقم لخدمة العملاء ؟؟ واللا مش لازم ؟؟

- لا طبعاً مش لازم .. (أحم ).. أقصد أن الحركة خفيفة اليوم في قسم خدمة العملاء .. أتفضل يا افندم .. ما هو استفسارك ؟؟

- وائل ..

- أفندم ؟؟

- أسمي هو (وائل) ..

- آه .. أستاذ (وائل) أنا كنت عايز أشــ ...

قاطعني في إصرار وهو يبتسم :

- وائل .. فقط (وائل) .. أنا لسة صغير على أستاذ دي .

- ححاول أفتكر .. عموماً أنا كنت عايزة أشكرك على موقفك النبيل بتاع القلم ..

تجاهل (هو) كلامي ودخل إلى الموضوع الخاص به مباشرة :

- أول أمبارح في موظفة في البنك اسمها الأستاذة (مروة) اتصلت بي ، وقالت أن في بيانات شخصية في حسابي البنك عايز يراجع عليها .. وقالت لي أروح عند الآنسة (غادة) !!

- حضرتك تقصد (ميرفت) مش (مروة) ..

ابتسم مرة أخرى وقال:

- اسمها الحقيقي (مروة) مش (ميرفت) .

- معقولة ؟؟ إزاي بقى ؟؟ دي صاحبتي من أيام الجامعة ..

- عشان اسم (ميرفت) هو التحريف التركي لاسم (مروة) .. الأتراك مش بيعرفوا ينطقوا حرف (الواو) .. وينطقونه كحرف V الإنجليزي .. وأكيد سمعتي في الأفلام التاريخية العربية لما كانوا بيقولوا : أنت (فالد) خرسيس نرسيس .. (فالد) دي يعني (ولد) .. خرسيس نرسيس معنديش ليها أي فكرة .. بس عامة اي اسم عربي أخره حرف (التاء) .. أكيد أصله تركي .. زي عصمت (عصمة) .. حكمت (حكمة) .. حشمت (حشمة) .. مدحت (مدحة) .. دولت (دولة) .. وأكيد (ميرفت) يعني (مروة) ..

- واو .. أستاذ وائل أنا مش مصدقة كمية المعلومات الرهيبة دي كلها ..

- خلاص .. جربي تاني واحذفي كلمة أستاذ يمكن تصدقي ..

- لأ بجد ما شاء الله عليك .. واضح أنك مثقف أوي ..

- مممم .. يعني .. بس مش قوي ..

- برضة مش عارفة أشكرك أزاي على موقفك بتاع القلم .. أنت شهم فعلاً ..

- ولا شهم ولا حاجة .. أي حد كان أكيد حيعمل كدة .. عادي يا آنسة (غادة) ..

- غادة .

- افندم ؟؟

- هاها .

- هاها ََ!!

************************

غرفتي مرة أخرى ..

أسترجع ذكريات تلك اللحظات الثمينة مقياساً بعمري كله ..

لا أدري كم من الوقت تحادثنا معاً ..

في حياتي كلها لم أجري حديثاً سلساً كهذا .. حديث راقي بمعنى الكلمة ..

فجأة تذكرت شيئاً مهماً .. فأخذت محمولي من تحت وسادتي وقمت بطلب رقم معين ..

- ألو ؟

- أيوة يا (مروة) ..

- أيه يا (غادة) .. (مروة) مين ؟؟ أنا (ميرفت) يا حبيبتي .. أنتي طلبتيني غلط واللا أيه ؟

- سورى يا (ميرفت) معلش كنت سرحانة .. أزيك ؟

- الحمد لله كويسة .. أنتي أخبارك أيه ؟

- مبسوطة أوي يا (ميرفت) .. بجد مبسوطة أوي ..

- الحمد لله يا (غادة) .. أنتي بنت مؤدبة ومحترمة ومتدينة وتستاهلي كل خير ..

- ميرسى يا (ميرفت) .. بس أنا كنت عايزة أقول لك على حاجة بخصوص النهاردة .

- خير يا حبيبتي ؟

- (ميرفت) .. من كل قلبي بشكرك على اللي أنتي عملتيه علشاني ..

- آه .. قولي كدة بقى !! أي خدمة يا ستي .. بس أبقي أفتكري الجمايل .. هه ؟؟ افتكري .

- بجد شكراً .. جميلك ده مش حنساه أبداً ..

- أنا تحت أمرك في أي وقت ..

- معلش يا (ميرفت) .. أنا حقفل عشان أصلي العشاء .. وبعدين أقعد مع بابا وماما شوية .. بعدين حنام .. أشوفك بكرة ..

- أوك يا قمر .. تصبحي على خير مقدماً ..

- وأنتي من أهله يا أحلى (مروة) في الدنيا ..

- في أيه يا بنتي ؟؟ أنا أسمي (ميرفت) والله!! .. أنتي أيه اللي حصلك النهاردة ؟؟

- مفيش والله .. بعدين حبقى أقولك .

- ماشي .. لما نشوف أخرتها .. السلام عليكي ..

- وعليكي السلام ورحمة الله وبركاته ..

وائل ..

لاحظت أنه عندما يتحدث معي ، كان يركز عينه على عيني بعمق .. كأنه ينوي الغوص إلى روحي من خلالهما !!

كما لديه عادة جميلة جداً .. وهي الابتسام دائماً عند الاستماع للطرف الأخر .. والجدية أثناء التحدث .. كأنه يضيف الرزانة إلى صوته ..

صوته ؟ََ!

هل يضع هذا الشخص أوتار (كمان) في فمه ويلعب عليها بلسانه .. فيخرج هذا الصوت ؟؟

صوته هو !!

سأقول لكم عن إحساس تعبت وفشلت في تفسيره :

عندما جاء أخر مرة وجلس معي .. كنا نتكلم في مواضيع عامة بجانب العمل طبعاً .. ولكنه نظر في عيني ثبات غير عادي فجأة .. مما جعلني أقطع كلامي لأسأله :

- مالك يا وائل ؟!! في حاجة ؟؟

- تعرفي إن عينيكي مريحة جداً ؟؟.. وجميلة جداً جداً ؟؟

كان رد فعلي ببساطة هو : نظرت للأرض في خجل .. ونبتت بداخلي ألف نافورة من دماء الخجل سرت بداخلي بقوة شلال جامح .. وارتعشت أناملي من هول ذلك الطوفان الذي يسري بداخلي ..

وهنا بدأت أتخيل شيئاً غريباً :

وجدت أنامله (هو) تحمل ذقني في رفق .. وترفع رأسي عالياً بهدوء لمستوى وجهه .. لتتلاقى عينانا في لهفة .. شعرت بأن عيني (تسمع) مؤثرات صوتية مبهمة تصدر من عينه .. ونظرت حولي لأجد أن البنك بأكمله قد اختفي .. وحلت محله صحراء لا أول لها ولا أخر .. فنظر (هو) إلى يمينه في هدوء .. فوجدت بحراً يتجسد ويلد أمواجاً شقية ليملأ الأفق من حولي .. كدت أن أغلق عيني من ضوء الشمس الحارق .. فابتسم في حنان .. وأدار وجهه نحو الشمس وأشار لها برفق .. فتنازلت الشمس عن نورها وتحولت ببساطة إلى قمراً في أوج بدره .. ونظـرت أنا إلى السماء المظلمة في دهشة .. ثم نظرت له متسائلة عن غياب النجوم في السماء ؟؟ فقال بلهجة عميقة : (ابتسمي لي) .. وابتسمت له .. وفوجئت بآلاف النجوم تخرج من شفتاي وتهرب إلى السماء لتزينها بأناقة .. كل نجم قد عرف مكانه في بطن السماء ..

- غادة ؟؟

- ....

- غادة ؟؟ أنتي رحتي فين ؟؟

- (آحم) .. أاااه .. معلش يا وائل .. سرحت منك .. بالمناسبة أنا كنت عايزة أسألك سؤال .

- اتفضلي !

- فاكر لما جيت وسألت عن (تامر) أول مرة ؟؟

- أه طبعاً ..

- فاكر لما قلت لك أستنى للمرة التانية ؟

- أكيد .

- أنا شفتك وأنت قاعد تراقب كاميرات المراقبة وأجهزة الإنذار والحرس !! يا ترى كان ليه ؟؟

- سؤال لذيذ .. أقولك يا ستي : بما إننا في بنك .. وبما إن بلدكم يغلب عليها الطابع القروي .. فأنا لو كنت قعدت أبص حوليا .. كانت الناس حتفتكر أني ببص عليهم هم .. وأنتي عارفة بقى القرويين بيخافوا من الحسد .. عشان كدة أنا كنت بتلاشى النظر ليهم .. وركزت مع النظام الأمني بتاعكم ..

- بس كدة ؟؟

- أه .. بس كدة ؟؟

ثم مال إلى فجأة وقال في جدية ساخرة :

- طب أنتي عارفة إن حرس الأمن هنا معاهم مسدسات صوت ؟؟

- أيه ده ؟ بتهزر !! معقول ..

أغلق عينه وأومأ برأسه مبتسماً .. ثم أردف :

- يعني لو البنك ده اتعرض لسرقة .. حنسمع أحلى فرقعة ولا (البمب) بتاع رمضان .. هاهاهاهاها !

- هاهاهاهاهاهاها!!

************************

بدون مواربة ..

أنا أحببت هذا الشخص ..

أحب هذا الشخص ..

(هو) ..

وائل ..

أحببته بدون تعقيدات أو تحفظات ..

أحبه !!

ولكن :

منذ ذلك الحوار، لم أره إطلاقاً بعد ذلك ..

اختفى !!

لم يظهر ثانية لمدة شهرين ..

أين ذهب ؟؟

ماذا حدث له ؟؟

وما حدث لي أنا ؟؟

يقتلني القلق بلا رحمة كل لحظة ..

أريده أن يعود لي .. كي تعود نفسي إلي ..

أين أنت يا وائل ؟؟

أين أنت ؟؟

قل لي ماذا حدث ؟؟

لماذا يأتي إلى البنك زميل لك وليس أنت ؟؟

لماذا يرد على المحمول شخص أخر ليس أنت ؟؟

وائل ؟؟

لا تجعلني أندم على كل لحظة لم أصرخ فيها : (أحبك) وأنت معي ..

أعزائي زوار (عرين الغضب) ..

من فضلكم قولوا له بأني أحبه ..

قولوا له بأني سأنتظره دائماً ..

أكدوا له بأنه وحده دخل قلبي .. ولن يخرج منه .. ولن يدخل غيره قلبي ..

توسلوا له أن يعيد (غادة) التي بداخلي .. والتي أخذها مني ورحل ..

...

6‏/3‏/2008

ده اللي عندي !!

ذات مرة طلب مني مديري كتابة خطاب موجه إلى أحد الهيئات الحكومية (المصرية بالطبع) ، وناولني ورقة مكتوبة بخط يده !! أخذت منه الورقة وبدأت في مطالعتها سريعاً ، وبالفعل هيأت نفسي وأصابعي للكتابة .. فقرأت الورقة مرة أخرى :

السيد / مدير إدارة الهيئة ××× ×××

تحية طيبة وبعد ؛

برجاء من سيادتكم التكرم بعمل اللازم نحو ×××××××××××××××××××××××××××××××××

×××××××××××××

××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××× (أسرار عملي.. وليست للنشر !!)

شاكرين لسيادتكم حسن تعاونكم الصادق

وتفضلوا سيادتكم بقبول فائق الاحترام

هذا كان نص الجواب ..

إلا أن الغضب بداخلي بدأ بزوم ويزأر بدون مناسبة !! وبدأت ملامح الغليان تغزو وجهي .. كنت أشبه ببركان يمر بمرحلة مراهقة مستعصية ..

وإليكم ما دار في رأسي وقتها بكل أمانة ..

السيد /

السيد ؟؟ ماذا تعني هذه الكلمة هنا ؟؟

هذه الكلمة توقف معناها منذ زمن طويل .. عندما كان هناك (السيد والعبد) .. فإن كان نسبي عريق ولي جاه وسلطان ، فأنا من الأسياد .. أما إذا كنت سليل عائلة أخذت سبايا حرب .. وتم بيعي لأحد الأسياد لأعمل في خدمته حتى يعتقني ، فأنا عبده وصبيه .. (فاكرين فيلم عنترة بن شداد ؟؟ لما مصطفى الدمرداش كان ينادي صبيه " العطر يا ولد" .. ساعاتها كنت سأهرول على سيدي ومعي زجاجة (وان مان شو) أو (ماربرت مان) أو (كارولينا هاريرا) .. حسب مزاج سيدي في العطور ..

السيد ؟؟

وهل يعمل في هذه الهيئة عبيداً حتى الآن ؟؟ وهل بإمكاني أن أدخل لقسم المخازن عندهم لأسأل المسئول وأنا أشير إلى أحد العاملين هناك : بكم تبيعني هذا العبد ؟؟ أو حتى أرمق سكرتيرة رئيس مجلس الإدارة بنظرة لزجة ثم أقول لرئيس مجلس الإدارة (الموقر) : كم ثمن هذه الجارية ؟؟ وهل من الممكن أن أعاين البضاعة أولاً ؟؟

السيد ؟؟

(لأ بجد يا جماعة , هو يعني أيه كلمة السيد دي ؟؟ )

واحترت طويلاً لإيجاد مرادف لهذه الكلمة السخيفة لأبدأ به الخطاب .. ولما فشلت تركتها فارغة وكتبت مكانها :

إلى / مدير إدارة هيئة ××××

بكل ما تحويه الكلمة من معاني ..

ندخل على السطر الثاني :

تحية طيبة وبعد ؛

لم أعرف أحداً من قبل يحيي الناس بـ (تحية شريرة) !! أو حتى (تحية كاريوكا) !!

ولماذا أحييه أصلاً ؟؟

وماذا تعني كلمة (وبعد) ؟؟ وهل تشكل فارقاً إذا كانت (وقبل) ؟؟ أو (منتصف)؟؟ ولا أخفي أني شعرت أني أقرأ (روشتة) : قرص قبل الأكل وبعده !!

حتى الفاصلة المنقوطة التي لابد أن تلي هذه الجملة الرعناء (؛) !!!

تساءلت كثيراً : ما أهميتها ؟؟ وهل سيغضب المدير إذا قرأ الخطاب بدون هذه الفاصلة ؟؟

هل سيعتبرها قلة أدب مني لو جاءت بهذا الشكل : (,) أو هذا (‘) ؟؟

رمقت مديري بنظرة غضب واضحة ..

وقررت شطب كل العبارة وأكتب :

صباح الخير :)

السطر الثالث:

برجاء من سيادتكم التكرم بعمل اللازم نحو ××××× (الخ..)

أحسست بأن مكتبي قد نقل فجأة إلى الرصيف الموازي لباب مسجد السيدة زينب !! وتم ترقيتي في مركزي لأصبح (المدير العام الفخري لنقابة الشحاذين) .. هذا ما جاء لي من وحي هذه العبارة ..

كأننا نشحذ من سيادته لأداء وظيفته ..

وغضبت كثيراً من عبارة (التكرم) .. ودهشت لماذا لم يكتب مديري العزيز :

والنبي .. عشان خاطر القمورة بنتك !!

أو :

من قدم شيء بيداه التقاه .. وحسنة قليلة تمنع بلاوي كتيرة ..


هنا بدأت أصابعي ترتجف في غل .. وبدأت الورقة تنكمش تحت غل أصابعي ..

فقررت تغيير تلك الفضيحة تماماً ..

وكتبت الخطاب بطريقتي الخاصة .. فكان كالتالي :

إلى/ مدير إدارة الهيئة ×××××

صباح الخير :)

عليك أن تسرع بالقيام بواجبك المكلف به على أكمل وجه والذي تأخذ عليه راتبك الشهري من الحكومة والتي ندفع لها الضرائب صاغرين ، لذلك قم بإنهاء إجراءات شركتنا في الهيئة التي تعمل أنت بها .. والإجراءات هي :

×××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××

×××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××

وعملاً بقاعدة :

لا شكر على واجب

فأنا لا أتوجه لشخصك بأي شكر على الإطلاق !!

إمضاء :

المدير الإداري (في المستقبل القريب)

وائل عمر


أنتهى

4‏/3‏/2008

أنا !!



  • وائل .. أرجوك أن تنظر لي عندما أحادثك .. توقف عن الشرود في تلك النافذة من فضلك .. فكلها لحظات قليلة وسأرحل إلى الأبد .. أريد أن أرى وجهك لآخر مرة يا عزيزي !

رددت علي من وراء ظهري :

  • وهل أنت مصر على الرحيل ؟
  • هذا شيء مفروغ منه .. ولا مشيئة لي في تغييره .. حتى وإن رغبت أنا في ذلك .. فهذا شيء مستحيل تماماً .. أنظر إلي يا عزيزي ..
  • ...
  • وائل .. أرجوك لا تزيد الأمر صعوبة .. فالأمر قاسي علي أنا أيضاً .. وائل ؟؟! كن شجاعاً والتفت .. فقد شارف الوقت على الانتهاء !

**************************

سأقطع هذا الحوار مؤقتاً لأشرح لكم – أيها الأعزاء – ما يحدث الآن .. ثم أعود مرة أخرى لتكملة الحوار مرة أخرى لكي تعوا ما يحدث :

اليوم هو عيد ميلادي الثامن والعشرين ..

فتاريخ ميلادي بالتحديد هو : 4 مارس 1980 ..

والذي يوافق اليوم ..

والشخص الذي بدأ الحوار هنا هو أنا (وائل السابع والعشرين) .. والشخص الآخر الشارد هو وائل الجديد .. (وائل الثامن والعشرين) ..

هل وضعت أيديكم على النقاط الأساسية هنا ؟؟

فلنعد إذن إلى الحوار مرة أخرى .

**************************

تركت شرودي للشباك والتفتت إليه ، وقلت في يأس :

  • هل ستتركني وترحل ؟
  • يا عزيزي .. إن لم أثق فيك لما كنت لأترك مسئولية إدارة هذا الكيان .. أنت تغيرت كثيراً عن ذي قبل .. هل تتذكر (وائل التاسع عشر) ؟؟ هل تتذكر طيشه وحماقته ؟؟ هل تتذكر كيف كان كئيباً ؟؟ وكم مرة فكر في الانتحار ؟؟ هل تتذكر انطواءه ؟؟
  • نعم .. أتذكر جيداً فيما تسبب لنا هذا الأحمق ..
  • لولا أن تكالبنا عليه كلنا .. لما وجدنا أساساً .. وكان أخرنا هو (وائل التاسع عشر) ..
  • لكني أشعر بهول المسئولية .. كيف سأدير هذا الكيان لمدة عام كامل ؟؟ أنه شيء مرعب ِ!! هل تعي خطورة هذا الكيان ؟؟ هل تعرف ما يحتويه ؟؟
  • أعرف جيداً يا عزيزي .. لقد أدرته طوال 366 يوم بلا كلل .. صدقني الأمر ليس بتلك الصعوبة .. وتذكر جيداً أن أني عثرت على التفاؤل أخيراً بعد أن فقده هذا الكيان .. سلاح قوي جداً .. سيفيدك كثيراً .. ثق في هذا .. وتأكد أني فعلت مثلك تماماً عندما استلمت مهمتي .. وأنت أيضاً ستساند من يأتي بعدك .. فقط كن جديراً بتحمل المسئولية ..
  • سأحاول .. ولكن .. متى سترحل ؟؟
  • بقي ثواني معدودة .. شد حيلك ..

نتبادل الآن حضن قوي .. ثمة دمعة تنسال من عين أحداي (لأول مرة في حياتي أرى أسلوب مثنى لضمير المتكلم !!) .. لست واثقاً إن كانت دموع (وائل الراحل) !! أم دموع (وائل الجديد) ؟؟

  • تذكرت شيئاً أيها الزعيم الجديد ..
  • تفضل ..
  • من أحد أهم إنجازاتي والتي يجب أن أوصيك بها : (عرين الغضب) .. حاول الاعتناء بها جيداً .. فأنت تدري جيداً أنها ساعدت إعادة البهجة لنا كلنا .. تفريغ مطلق لمشاعر الغضب والاكتئاب من داخلنا ..
  • (عرين الغضب) .. حسناً .. سأعمل على تطويرها وتزيينها بأفكار جديدة .. لا تقلق بهذا الشأن يا عزيزي ..
  • وحاول أن تتوقف عن التدخين ..
  • سأحاول .. هل هناك شيء أخر ؟

تبادلنا النظر للحظة .. أنا وأنا فهمنا معناها ..

بالتأكيد أنا (يقصد) ..

(هي) ..

تنهدت أنا وأنا للحظة ..

ثم قلت :

  • سأحاول .. سأفعل أكثر ما فعلت أنت .. لا تقلق ..
  • هذا شيء أراحني .. الوداع يا (وائل الثامن والعشرين) !
  • الوداع يا (وائل السابع والعشرين) !

...

كل سنة ونحن (ثماني وعشرون وائل) طيبين !!

أرقدوا في سلام آيا سنوات عمري الماضية ..

وردة مني على ذكرى كل (وائل) فيكم ..

كل سنة وأنتم (القراء) طيبين ..

كل لحظة و(هي) بخير ..

وائل ..

3‏/3‏/2008

إعلان غير مدفوع الأجر !!

عزيزي مستخدم شبكة الأنترنت :

  • هل شكوت يوماً من بطء المتصفح الافتراضي ( الأنترنت أكسبلورور) الخاص بنظام تشغيل ويندوز ؟
  • هل أصابك الملل وآلام الظهر من انحنائك على شاشة حاسوبك ؟
  • هل تشكو من ظهور الكتابات المبهمة والرموز الغير مفهومة أثناء أبحارك في مياة الشبكة الدولية ؟
  • هل راودتك الكوابيس ليلاً وتحلم أن الأنترنت هو وحش عملاق يأكل في استمتاع كل من يقترب منه ؟
  • هل تشكو من تكرار انقطاع المياه إن كنت من قاطني الأدوار العليا ؟
  • هل أصابك القرف من الروتين الحكومي وغباء استحكامات نظام الحكم المصري البيروقراطي الديكتاتوري ؟

إن كنت أنت يا عزيزي المستخدم هو كل ما سبق ..

يسعد مدونة (عرين الغضب) أن تقدم لك الحل السحري المتمثل في البرنامج العبقري :


FIREFOX


فهو برنامج متصفح قوي .. قاهر لكل الظروف البيئية والنتية (جاية من النت!) .. يذلل كل الصعاب التي تواجه تصفحك ..

وأليكم بعض (وليس كل ) مميزات هذا البرنامج :

  • يزيد من سرعة التصفح وتحميل الصفحات ، حتى المملوءة بالصور وملفات الفلاش والفيديو أيضاً.
  • مدعم بكل المميزات والإضافات من خلال تحميل أحدث التطبيقات من موقعه الخاص .. والتي يقوم هو نفسه تلقائياً بها بكل سهولة حتى دون تدخل منك .
  • آمن تماماً من الفيروسات اللعينة وأخطار الحرائق وحوادث المشاة والطرق السريعة .. وقريباً سيضاف له خدمة مكافحة الشغب إن لزم الأمر ..
  • حتى إن أغلقت جهازك وفتحته مرة أخرى .. ستجده بانتظارك كما هو .. سيظل رهن إشارتك لسبر أغوار الأنترنت بكل شهامة فرسان العصور الوسطى ..
  • لا ولن يرهق ذاكرة حاسوبك أبداً .. فهو يتعامل بكل حنان ورقة مع جهازك .. حتى وإن كان حاسوبك يعمل بالفحم النباتي !
  • ذكي جداً ولماح للغاية .. يعمل في نباهة سكرتيرة نشيطة .. كتوم لأسرارك (اسم المستخدم وكلمات السر الخاصة بك) !!
  • لا يحتاج إطلاقاً لكروت شحن .. ولا يدعم حتى خدمة تحويل الرصيد .. بل هو يتعامل معك كمستخدم واعي ولا يمارس معك إستراتيجية (الضرب على القفا!)
  • مهما كانت ثقافتك .. أو لغتك .. ستجده يتعامل معك بلغتك الأم .. بكل بساطة وتواضع .

عزيزي المستخدم /

إن راودك شك في عرضنا هذا ..

فسيعدنا أن نتقدم بعرضين :

أولاً: قم بتحميل البرنامج وتجربته مرة واحدة .. فقط أفتح هذه المدونة مرة أخرى على البرنامج .. وقارن بنفسك !

ثانياً : إن أعجبك البرنامج (ونحن واثقين بأنه سيعجبك) .. سيكون متاحاً لك استخدامه لفترة لا تزيد عن 11 سنة (فقط أحدى عشر عاماً لا غير) .

اتفاقية الأسعار :

بما أن هذا الموضوع يسمى (إعلان غير مدفوع الأجر) .. ومراعاة لظروف الغلاء الحالية .. قررنا أن يكون البرنامج مجاني (ببلاش) .. ببلاش يا بشر ..

عزيزي المستخدم /

لا تدع الفرصة تفوتك ..

بادر الآن بالتحميل .. حملوه الآن ..

متوافر بالسيرفرات التالية :

(هو سيرفر واحد كفاية عليكو .. سريع جداً )

· أضغط هنا .. وقل وداعاً لتلك الرموز الغريبة ..

مع تحيات :

مدير إدارة مدونة (عرين الغضب)

وائل بيه عمر

2‏/3‏/2008

فقط من أجلكم !!

المكان : غرفتك !
الوقت : يفضل ليلاً !
الإضاءة : إن لم تكن معدومة ، فلنجعلها خافتة للغاية !
الأدوات : الكمبيوتر بتاعك .. سماعات جيدة نوعاً ما !
المهمة المكلف بها : لا تحتاج مجهود كبير .. فقط أضغط على هذا الرابط ، وحمل الأغنية ..

ومن خلال ما سبق .. عليك أن تسمع لتلك الأغنية .. في غرفتك .. ليلاً .. في إضاءة خجولة جداً ..

التعليق : هذا هو مجهودك المنزلي المكلف أنت به .. عليك أن تصف لي ما شعرت به طوال 13 دقيقة وثلاث ثوان ..

أنتهى !!

1‏/3‏/2008

هي .. وهي !!

- مبروك .. جالك بنت زي القمر !!

أزاحت هذه العبارة عبئاًً ثقيلاً كان يكمن فوق صدري المدة الأخيرة .. ودون قصد مني أطلقت زفرة حارة عميقة من كل صدري ، ونظرت عالياً متمتماً بكلمات الحمد للخالق وعبرت في صدق عن كامل شكري له ..

وبصوت خفيض لا يخلو من تأثير اللحظة سألت الممرضة :

- متى يمكنني رؤيتهما ؟

- يمكنك الآن .. فقد خرجت من غرفة العمليات وذهبت للغرفة مباشرة من الباب الآخر ..

لم أسمع باقي الرد .. وذهبت فوراً للغرفة .. ولا أدري لماذا توقفت أمام الباب وأنظر لمقبضه في رهبة !! وجدت نفسي أشرد رغماً عني .. وبدا لي الباب كأنه بوابة لعالم آخر .. كأنه بوابة للمستقبل ..

هذا الصباح دخلنا ذات الباب وكنا أثنين فقط .. وبعد ساعات سنخرج منه ثلاثة ، أنا .. وهي .. وبنتنا !

أصبحنا ثلاثة !!

يا الله ..

أصبحت والد ..

أصبحت أب ..

أنا !!

هل شعر والدي نفس الشعور يوم ولدت أنا ؟؟

وانهمر علي شلالات من ذكريات طفولتي ، أنا ووالدي ووالدتي !!

كيف أحسنا تربيتي .. وكيف حافظا علي من كل سوء .. وكانا لي خير أصدقاء ..

وشعرت بلحظة امتنان عميقة لهما ..

أفقت بسرعة من شرودي هذا ، وطرقت الباب بإيقاع تعودنا عليه أنا وهي .. وامتدت يدي نحو المقبض في بطء .. وأدرته في خشوع صادق ..

ورأيتها ..

هي ..

زوجتي ..

لحظتها جاءني نفس شعوري عندما رأيتها أول مرة .. سرعة دقات قلبي تثبت لي هذا .. توجهت إلى السرير في بطء .. ولا إرادياً استرجع ذكرياتي معها ..

أول مرة ابتسمت لي هي ..

أول مرة ضحكت هي ..

أول مرة أحمر وجهها خجلاً من نظراتي البريئة لعينها ..

أول مرة قطبت حاجبيها عند شعورها بالدهشة ..

كنت قد وصلت للسرير تلك اللحظة ، وجدتها تجلس في صمت .. وعلى ذراعيها أبنتنا بالأغطية البيضاء ..

أنحيت على زوجتي وقبلتها في جبينها قبلة واحدة ، ثم همست في أذنها بصدق :

- حمداً لله على سلامة أميرتي !!

وأمسكت يدها الحرة بكلتا يدي وجلست بجوارها متأملاً ملامحها .. وجهها يبدو مرهقاً من جراء الولادة .. إلا أنها لازالت كما هي .. أميرتي ..

ابتسمت لي وقالت في ضعف مملوء بكبرياء :

- بنتنا ..

كررت ورائها هامساً بنفس الكبرياء :

- بنتنا ..

ودارت عيني لأول مرة إلى صغيرتي في حضنها ..

ورأيتها ..

فيا له إحساس لا ولن يوصف أبداً ..

فكيف تعبر الكلمات وتصف وهي لن ترزق بأبناء يوماً ؟؟

أبنتي ..

وكفى بهذا كوصف لها .

رفعت زوجتي أبنتي في وهن وقالت :

أصبحت الآن ملكة .. ويمكنك رؤية الأميرة الصغيرة لأول مرة .. تفضل ..

ومددت يدي إلى أبنتي ..

وشعرت بالزمن يتجمد تلك اللحظة .. بل تلاشى الزمن تماماً من حولي ، وبقيت تلك اللحظة فقط ..

أبنتي في حضني الآن ..

أهذا سر القشعريرة الباردة التي تسري في كامل جسمي ؟؟

أهذا سر الآهة العميقة من صدري ؟؟

كيف نزلت دمعة مني دون أن أسمح لها بذلك ؟

أبنتي !!

يا الله .. متى تعلمت الطيران عالياً هكذا ؟؟

هل السر في أني أحمل ملاكاً على ذراعي ؟؟

وتلوت الآذان في أذنيها كما أوصاني أبي .. ثم دعوت الله دعاءاً خالصاً كي يحفظ صغيرتي من كل سوء ..

نظرت إلى أمها وهمست لها في فخر :

- هل تعرفين ؟ لها نفس عينيك !

ابتسمت لي في خجل كعادتها الرقيقة .. وعدت بنظري إلى صغيرتي وقلت في مرح كي أهون على زوجتي وهنها :

- متى ستكبرين يا عزيزتي لأخبرك كيف هي عظيمة أمك .. وستعرفين حتماً إنك أجمل بنت لأجمل أم .. وستفهمين أني أوفركم حظاً .. فأنا بكل فخر : زوج (هي) .. وأب (لك) .

وتبادلنا أنا و (هي) النظرات في صمت كعهدنا .. نظرات كفيلة بإحياء الزمن الذي تلاشى منذ فترة .. لم أدري إن كانت دموعي تمطر من عيني أم من عينيها هي !! لم أدري إن كان الحب قد تجسد مرة أخرى .. وها أنا الآن أحمله في حضني ..

هي ..

وهي الصغيرة ..