8‏/3‏/2008

(هو ) !!

لست متأكدة أذا كان مسموح لي بطرح قصتي هنا أم لا !!

احتمال كبير أن يكون هذا الأمر غريب عليكم أنتم !!

ولكن على الرغم من ذلك سأفعله ، وليحدث ما يحدث ..

دعوني قبل أن أبدأ في سرد قصتي الطويلة نوعاً ما أن أقوم بتعريف نفسي حتى لا يحدث لغط منكم ..

لنقل أن اسمي هو : غادة !! وأرجو أن تتفهموا حقي في الحفاظ على سرية أسمي الحقيقي .. عموماً اسمي لن يهمكم بشيء .. حتى أنه لن يؤثر إطلاقاً على مجريات أحداث القصة !

ستكون أحداث قصتي هذه مركزة على شخص تعرفوه أنتم جيداً..

في الحقيقة هذا الشخص هو صاحب هذه المدونة !! مدونة (عرين الغضب) ..

شخص اسمه (وائل عمر) !!!

دون تدخل منه بالمرة ..

ولا تسألوا كيف استطعت أ نا أن أنشر هذه القصة هنا ..

...

قلت أن أسمي هو (غادة) ..

أعيش في أحدى محافظات غرب الدلتا .. وأعمل في أحدى البنوك التجارية التي انتشرت مؤخراً في مصر تحت مسميات عديدة معظمها أجنبية .. أنا هنا في مكان عملي في البنك .. بالتحديد خدمة العملاء في الطابق الثاني من المبنى الذي يقع فيه هذا البنك..

من خلال عملي هنا لفترة تجاوزت العامين رأيت أنماط كثيرة من البشر ، بعضهم يتمتعون بسلوك متحضر راقي مهذب ، وبعضهم همجي سوقي يفتقر إلى أبسط قواعد التعامل الإنساني .. أما الفئة الباقية فهي الفئة المعتادة لسلوك شعبنا المصري : التحدث بصوت عالي ، الفضول ، الاستعجال ، الشعور بالقلق الخفي في الأماكن الفارهة مثل البنك ... الخ) .. وصرت استطيع الحكم على أي شخص هنا من خلال نظرة واحدة سريعة لا أكثر .. وذلك لكثرة احتكاكي المباشر بعملاء البنك ..

أحياناً أشعر بالملل .. وأحيانا أخرى بالضيق .. وفي الغالب أحاول الانغماس أكثر في العمل كي يمر اليوم بسرعة ..

نسيت أن أذكر أني كثيراً ما تعرضت هنا للمعاكسات والمضايقات من عملاء لزجين ، فهم يروني جميلة وجذابة نوعاً ما .. مع العلم بأني لا أضع مساحيق تجميل إطلاقاً ، وشعري ملفوف بعناية تحت (الطرحة) ولا يبدو منه شيئاً .. حتى ملابسي أحرص على أن لا تكون ضيقة أو ملفتة للنظر .. فقط أنا أهتم بتناسق الألوان ويهمني جداً أن أرتدي شيئاً أرتاح له !!

على الرغم كل ذلك .. أتلقى محاولات حقيرة من بعض العملاء لفتح حوارات جانبية غرضها الأساسي تبادل أرقام الهواتف المحمولة ليتسنى لهم التسلية بي بعد ذلك ، لكن محاولتهم دائما تصد بالحزم مني أو باستدعاء زميل أخر ليحل محلي حتى يرحل العميل السخيف ..

بنت عادية .. أليس كذلك ؟

حتى جاء ذلك اليوم ..

عندما رأيته أول مرة ..

(هو)!!

- من فضلك يا آنسة .. الأستاذ / تامر فين ؟

- الأستاذ / تامر راح مشوار وحيرجع بعد حوالي ربع ساعة .. أنا لسة مكلماه دلوقتي على الموبايل .

- أه .. أوكي .. شكراً ..

- العفو ..

ثم توجه إلى مكان الانتظار والذي يقع أمام مكتب مباشرة .. كان يجلس بكل بساطة وكأنه وحده يملك الزمن ..

نسيت وجوده تماماً واستكملت عملي بغير حماس .. ربما بسبب الملل !! أو لأن اليوم نسبة العملاء المملين مرتفعة عن المعدل الطبيعي !! من يدري ؟؟

- أحم .. من فضلك يا آنسة .. الأستاذ / تامر أتأخر عن 20 دقيقة .. يا ترى ممكن أخد رقم موبايله وأتصل بيه أنا؟

- أنا قلت لحضرتك أنه جاي بعد ربع ساعة .

- تمام .. والربع ساعة دي فاتت من خمس دقايق .. وأنا ورايا شغل ..

- أنا أسفة .. مقدرش أديك نمرته .. معلش حضرتك أستناه شوية كمان ..

توقعت منه أن يثور كعادة عملائنا الكرام الذين يتحججون بأنهم في عجلة من أمرهم .. أو ذاهبون لقضاء مصلحة مهمة في مكان أخر .. إلا أن هذا الشخص ابتسم فجأة وقال في هدوء :

- أوكي .. حاضر !

وعاد بالفعل لنفس المقعد بنفس بساطة المرة السابقة .. وأنا أتابعه بنظرات تملأها الذهول من رد فعله الغير متوقع بالمرة .. واضح أنه شخص غريب الأطوار !!

نفضت شرودي وعدت إلى عملي مرة أخرى ..

فلا داعي أن أشغل ذهني بشخص سيتلاشى من ذاكرتي بعد فترة وجيزة !!

إلا أنني وبدافع الفضول الأنثوي نظرت له مرة أخرى ، فوجدته ينظر إلى السقف بكل اهتمام .. ويحدد بصره على مواقع كاميرات المراقبة ، ثم ينظر إلى أجهزة الإنذار المعلقة بالسقف !! والأغرب أنه تابع الأسلاك المتدلية من السقف ويتأملها ملياً .. ثم ينظر بتحدي إلى رجال الأمن المنتشرين في الطابق .. وبنفس نظرته الغامضة كان يتأمل جانبي كل حارس أمن ، واضح أنه يستكشف هل يحملون أسلحة أم لا !!

رباه !! هل ينوي هذا الأحمق سرقة هذا البنك ؟؟

لو حدثت سرقة في البنك لكان هو المسئول عنها بدون شك.. على العموم بياناته عندنا كاملة .. لن أتردد لحظة في التبليغ عنه لو حدث شيئاً ما ..

ولكن هل لازال العالم يبتلى ببلهاء أمثال هذا الشخص ؟؟

ثم واصلت عملي ونسيت وجوده تماماً .. حتى أنني لم ألاحظ متى غادر !!

************************

بعد شهر تقريباً رأيته .. يدخل مكتبنا في هدوء يبدو مستفزاً بعض الشيء !! ولاحظت أن شكله قد تغير نوعاً ما عن المرة السابقة ، شعره يبدو طويلاً وغير منسق ، لحيته أطول من اللازم بالنسبة لشاب في سنه ، لا أدري إن كان قد غير نظارته أم لا ؟ لست واثقة من ذلك !!

لو جاء وتحدث معي مرة أخرى سأعامله بكل برود .. بالنسبة لي هو شخص غريب الهيئة تشوبه غرابة الأطوار ، مع احتمال ضلوعه في جريمة سرقه منظمة !!

ولكنه – الأحمق – مر بجانبي وكأنه لم يلاحظ وجودي !! وبدأ بركان الثأر يزأر في داخلي :

- تباً لك أيها الأحمق ، من تظن نفسك ؟؟ ألا تمتلك حس ذوقي لتلقي تحية الصباح ؟؟ وكيف لرجل كهف مثلك أن يفهم في قواعد الذوق بأي حال ؟؟

ثم بدأت أتساءل :

- ولكني لماذا أهتم باستلام تحية الصباح منه ؟؟ من هو علي أي حال ؟؟ بالنسبة لي هو مجرد صرصور مزعج جاء ليقضي مصلحته هنا ؟؟ كفاك يا (غادة) وانتبهي لعملك .. فاليوم لازال في أوله .. ولا يعلم إلا الله عز وجل كيف سينتهي .. سأبدأ الآن بنداء العميل رقم واحد .. ساعدني يا ربي !!

************************

لقد غادر العميل رقم أربعة أخيراً .. ولكم هو مرهق حقاً .. لماذا يهتم الناس بمعرفة أشياء ليست باستطاعتهم فهمها أبداً .. ولماذا يستفسر ذلك الشخص القروي عن إمكانية إصدار بطاقة صرف آلية بالدولار الأمريكي ؟؟ لا أنكر أنه أرهقني كثيراً .. ولكنه عملي وسأقوم به مهماً كان بكل رضاء .. بقيت نصف الساعة على صلاة الظهر .. علي أن أستعد للصلاة بعد عميلين على الأقل ..

- صباح الخير يا آنسة !

قطعت الصوت أفكاري .. فنظرت إلى صاحبه بسرعة وأنا أتوجس لكونه القروي قد عاد مرة أخرى ..

ولكنه كان (هو) .. ألقى التحية ووقف مبتسماً في انتظار الرد مني !!

- صباح النور ..

قلتها في استغراب حقيقي وأنا أتأمله .. أعترف أن ليست في ملامح وجهه معالم للجنون ، أو اتجاه إجرامي .. بل يبدو عليه مظهر الحكمة وقليل من الوقار الحقيقي ..

أشار إلى أسفل مكتبي وقال في هدوء :

- في ملف وقع من حضرتك جنب المكتب من حوالي عشر دقايق ، وحضرتك أكيد ما لاحظتيش .. عشان كدة أنا حبيت أنبهك ..

نظرت تحت المكتب في بطء مفتعل كأني لا أهتم بما قال .. من يدري!! قد تكون خدعة شبابية سخيفة .. إلا أني بالفعل وجدت ملف بيانات العميل الثالث .. وهممت أن أنحني وآخذه .. إلا أنه سبقني وسارع بالتقاطه ، وأعطاني أياه في بساطة وعلى وجهه ابتسامة تشجيعية .. ونظرت للأرض في حياء لا زيف فيه ، وتمتمت بعبارات شكر في خجل ، ثم رفعت رأسي مرة أخرى لأجده قد اختفى !!!

هذا الأحمق !!

أطلقت زفرة حارة مختلطة بمشاعر الغيظ .. ثم ضغط جهاز الاستعداء للعميل الخامس .. وداخلي مشاعر مضطربة ومختلطة يصعب علي فهمها الآن ‍‍!!

وأيضاً أسئلة لم أفلح أن أجد لها إجابة:

هل ظل هذا الشخص يراقبني طوال هذه الفترة حتى لاحظ وقوع ذلك الملف ؟؟

ولماذا لم أشعر به للحظة واحدة ؟؟

أين جلس ؟؟

ولماذا كان يراقبني أساساً ؟؟!!

************************

ومر شهر أخر ..

كان لابد أن أسأل نفسي :

- (غادة) !! ما الذي اعتراكي ؟؟ ما الذي أبدل حالك ؟؟ لماذا صار الفضول وحشاً قوياً ينهشك بلا رحمة ؟؟

والسبب في تلك التساؤلات هو أنني لاحظت طوال الأسبوعين الماضيين ظاهرة غريبة في أنا !! وهي – الظاهرة – إذا دخل شخص ما يرتدي ملابس زرقاء ، أو ذو لحية طويلة وشعر منكوش .. فأني ألتفت فجأة إليه وأبحث في ملامحه عنه .. هو !!

لست أدري ما سبب ذلك الاهتمام المفاجئ تجاه أحد العملاء .. والذي سيصر مهما حدث مجرد عميل لا أكثر ..

وتغيرت تلك القواعد عندما حدث ذلك الموقف الصعب بالنسبة لي .. والذي أعترف أنه هز هدوء حياتي بعنف .. وأبدل حالي تماماً !!

************************

يوم جديد في العمل .. لا شيء جديد حتى الآن .. فقط هذا العميل المزعج .. لم أر شخصاً له نفس عصبيته ، وكأنه يتحجج لرفع صوته المنفر لأتفه الأسباب .. إضافة إلى غبائه المحكم وعدم قدرته على الاستيعاب بسهوله .. كما أنه يدخن بوقاحة لا حد لها ، وينفث دخانه في وجهي كلما استعصى عليه الفهم .. هذا الشخص جدير للحصول على جائز أسوأ عميل على مدار العام بأكمله ..

ولكني لم أفهم لماذا لم أعامله كما يجب ؟! من قبل كنت أقوم بسحق من يحاول أن يتطاول علي أو على كرامتي بلا تهاون ..

إلا أني الآن أشعر أني ضعيفة جداً ..

أريد أن أفهم ما الذي يحدث لي !!

الغوث يا ربي !! ساعدني يا إلهي ولا تتخل عني يا حي يا قيوم ..

أخذت نفس عميق ، ثم طلبت من العميل أن يوقع على أوراق فتح حسابه الجديد .. فقال في لهجة ساخطة تفوح منها رائحة دخان قميئة :

- عدم اللامؤاخدة أنا معييش قلم .. ممن قلم من عندك يا (مودام) ؟

مودام ؟؟ هل أنت أعمى لهذه الدرجة أيها المأفون؟! جعلتني مدام بكلمة منك ؟؟

تذكري يا (غادة) .. العميل دائما على حق .. مهما أخطأ .. سياسة البنك الأولى تدور في رأسي وتمنعني بأن أقذف هذا الحيوان بخرامة الأوراق الثقيلة ..

درت بعيني على مكتبي بحثاً عن القلم .. ثم أكملت البحث بيدي تحت الأوراق لعلي أعثر عن القلم!! ولكني لا أجده هنا !! هل أخذه أحد الزملاء أثناء شرودي وأنا أنتظر هذا العميل ؟

- جرى أيه يا (أبلة) ؟؟ بقى بنك كبيرعريض زي ده مافيهوش قلم واحد يوحد (ربنا) ؟؟ فالحين بس في الهايلمان و(الفشخرة) الكدابة ؟؟ خلصيني .. أنا ورايا شغل .. مش فاضيلك ..

أعترف أني كدت أبكي تلك اللحظة .. للمرة الأولى في حياتي أشعر بهذا الضعف والتخاذل .. كرامتي ذبحت بلا شفقة من هذا الوغد .. تماسكي يا (غادة) ولا تذرفي دمعة واحدة الآن .. تماسكي يا (غــ ....

- أنا أسف جدا يا آنسة .. واضح أني نسيت القلم معايا وأنا ماشي .. تفضلي القلم ..

أعتقد أني أعرف صاحب هذا الصوت !!

ودرت برأسي إلى مصدره في انكسار .. فوجدته (هو) .. منحني نصف انحناءة بجانب مكتبي .. ويمد يده لي بالقلم وهو ممسك به من أخر طرفه ..

نظرت له غير مصدقة ..

عينياي مفتوحتان على أخرهما في عدم تصديق .. وجدت فمي مفتوحاً هو الأخر كأنه يشارك عينياي في انفراجتهما ..

كدت أن أقول له بأنه ليس قلمي .. إلا أنه رفع حاجبه الأيمن في سرعة ، وفتح عينه فجأة كأنه يأمرني بأخذ القلم دون تعليق مني ..

بالفعل أخذت القلم منه وأنا راضخة لقوته المفاجئة .. وارتعشت أصابعي عندما لمست أخر الطرف الأخر من القلم ..

ونظرت له مرة أخرى بنفس الذهول السابق .. فابتسم (هو) لي ثم قال :

- مرة تانية يا آنسة .. بجد أنا أسف ..

ثم التفت (هو) للعميل المزعج الذي كان يراقب الموقف برمته بريبة خبيثة وقال له وهو يضغط على حروف كلماته :

- على فكرة يا أستاذ : الآنسة واضح عليها جداً أنها بتضايق من ريحة التدخين .. من فضلك أطفي السيجارة .. وبلاش تستخدم الصوت العالي في الكلام .. صوتك واصل تحت للدور الأول .. مش باين عليها إن سمعها كويس واللا أيه ؟؟

ثم التفت وغادر المكان كدأبه الأبدي ..

شعرت لوهلة أن قلمه في يدي عبارة عن سيف ماض أعاد لي شجاعتي المسلوبة .. وكنت مستعدة لجولة أخرى أمام هذا الرجل البشع .. فمددت يدي له بالقلم كأني أصوب له ضربة قاصمة ، وقلت ببرود وأنا أثبت عيني في عينه :

- تفضل القلم .

ولدهشتي قام الرجل بإطفاء سيجارته بسرعة .. وتمتم لي في ندم:

- أنا أسف جداً يا بنتي .. ضغط الشغل مأثر على أعصابي جداً .. وطبعاً حضرتك عارفة إن سعر الدولار في النازل اليومين دول .. وأنا عمال أخسر شيء وشويات .. معلش يا بنتي .. حقك عليا !

هززت رأسي في فهم وقلت للرجل في صبر :

- مفيش مشكلة يافندم .. وربنا يوفقك إن شاء الله .. حاول بس تهدي نفسك أكتر من كدة ..

...

لن أكذب عليكم إن قلت أني شعرت بقلبي قد قفز إلى ما وراء أذني في لحظة.. وإلا ما الذي يفسر دماء الخجل التي افترشت على وجنتاي ؟؟ ضربات قلبي أشعر بها موجودة في رأسي ضربة ضربة !!

(هو) ؟؟

هل كان (هو) حقاً ؟؟

************************

الآن أنا على سريري !!

أستند بظهري على الوسادة ، وأحملق في سقف الغرفة وملامح التفكير تملأ وجهي :

هل كان حليق اللحية هذه المرة ؟؟

شعر رأسه كان قصير هذه المرة !!

كان أنيقاً للغاية وهو يرتدي الزى الأزرق المنقوش عليه شعار شركته ..

هل كان يقصد أن لا تلمس أناملي أصابع يده ؟؟

ولماذا تحول العميل المزعج إلى أرنب مذعور في لحظة ؟؟ هل تأثر من كلامه ؟؟ مع أنه خلا أي تهديد ظاهر !

لماذا كان زملائي ينظرون إلى في خبث واضح هذا اليوم ..

حتى (ميرفت) صديقتي لاحظت شرودي الذي زاد عن حده في الفترة الأخير ، وسألتني في فضول عدة مرات .. لكن خجلي كان يمنعني بمصارحتها بمشاعري الغريبة هذه !!

هل هي المراهقة ؟؟

طبعاً لا يا (غادة) .. أنتي الآن في الرابعة والعشرين ..

مرحلة المراهقة انتهت منذ زمن ..

إذن ما سر هذا الشيء الغامض الذي أشعر به ؟

ومددت يدي تحت الوسادة ، وأخرجت شيئاً ما برفق وتأملته بين يدي ..

أنه القلم ..

قلمه (هو) ..

لطالما احتواه بحنان بين ثلاثة أصابع .. وكتب به بخطه يده السيئ !!

!!!

ولكن أين رأيت خطه من قبل ؟؟

نعم تذكرت .. عندما راجعت مع (ميرفت) ملفات العملاء , ووجدت صعوبة في قراءة اسمه الثلاثي ، فاستنجدت بي وقرأته لها بصعوبة ..

ضحكنا كثيراً من خطه والذي يشبه خط طفل في المرحلة الابتدائية ..

نظرت للقلم في عمق ..

ثم قلت بصوت خفيض :

- شكراً ..

وأعدته تحت الوسادة بحرص ..

ثم مددت يدي للكمود وأخذت المصحف وقرأت فيه حتى غلبني النعاس !!

************************

البنك مرة أخرى ..

نظراتي للباب قد زادت في الآونة الأخيرة ..

الكل لاحظ ذلك , وإن لم يفهم معظمهم السر في ذلك .. لكنها أصبحت عادة لي ..

أحياناً في الأوقات الغير مزدحمة أرمق الباب وأشرد ..

فأتخيله يدخل الباب على حصان أسود .. ويرتدي (هو) ملابس فارس روماني في أوقات الحرب ..

وأحياناً أتخيل وقوع سرقة للبنك .. فيهبط هو من السقف ويصرع اللصوص بقبضته العارية ، وينقذ الرهائن .. ثم يأتي إلى مكتبي ويعطيني قلم أخر ويبتسم لي .. ثم يختفي بعدما انتهت مهمته ..

- (غادة) .. أنتي رحتي فين يا بنتي ؟؟

- أيوة يا (ميرفت) .. أنا أهو ..

- أهو فين يا بنتي بس .. أنتي مش معانا خالص ..

- قولي لي يا (ميرفت) .. أيه مواصفات فارس أحلامك ؟؟ قصدي يعني من وأنتي صغيرة , كنتي بتتخيليه إزاي ؟؟

- أه .. أنا قلت كدة برضة .. شوفي يا ستي .. في الأول كنت بحلم بواحد زي (رشدي أباظة) في فيلم (صغيرة على الحب) !! تحسي أنه وحش كدة وعليه سيطرة قوية بالنسبة للي حواليه .. بس قدام (سعاد حسني) كان بينقلب لقطة وديعة وطفل رقيق ..

- واو يا (ميرفت) .. اختيار جميل فعلاً ..

- واو أيه يا شيخة ؟؟ أستني عليا .. هو أنا لسة خلصت ؟

- كملي يا ستي .. حقك عليا ..

- أيوة كدة .. بعدين عجبني شقاوة (حسن يوسف) و (أحمد رمزي) .. ورومانسية وشهامة (صلاح ذو الفقار) .. وزاد عليها فروسية ونبل (أحمد مظهر) ..

- معقول يا (ميرفت) كل دول ؟؟

- أصلي أنا عاملة احتياطاتي .. لو كل دول ماكانوش في العريس .. على الأقل تبقى فيه حاجة واحدة من أي حد فيهم !!

- لأ واعية ..

- إنما أنتي بتسألي السؤال ده ليه ؟

- عادي .. ورد في بالي وحبيت أخد رأيك فيه ..

- آه .. طيب .. أنا رايحة مكتبي .. في ناس بدأت تيجي تاني .. أستر يا رب !!

- أوكي ..

************************

أين ذهب طوال هذه المدة ؟

ثلاثة أسابيع ولم يظهر ؟؟

غريبة ؟؟

أتراه حدث له مكروه ؟؟

أين ذهب ؟؟

فوجئت به يدخل ببساطته المعهود من الباب .. ووقف قليلاً في أدب انتظاراً لسيدة عجوز تريد الخروج من الباب في خطوات بطيئة .. عرض عليها مساعدتها في نزول السلم ووافقت هي .. الآن هو يخرج من الباب مرة أخرى مع السيدة !!

عد أيها الأحمق !!

أين ستذهب ؟؟

لا تتركني هنا وحدي ..

عد ..

!!!

وبالفعل عاد مرة أخرى .. وتوجه إلى مكتبي مباشرة وقال :

- صباح الخير يا آنسة (غادة) .

رددت باستغراب وذهول :

- صباح النور يا افندم ..

- في الواقع أنا مش قصدي أزعجك .. بس النهاردة أنا جاي أصرف شيك لشركتي في الشباك تحت .. بس في حاجة أنا عايز أستفسر عليها بالنسبة لحسابي الخاص .. يا ترى أحجز رقم لخدمة العملاء ؟؟ واللا مش لازم ؟؟

- لا طبعاً مش لازم .. (أحم ).. أقصد أن الحركة خفيفة اليوم في قسم خدمة العملاء .. أتفضل يا افندم .. ما هو استفسارك ؟؟

- وائل ..

- أفندم ؟؟

- أسمي هو (وائل) ..

- آه .. أستاذ (وائل) أنا كنت عايز أشــ ...

قاطعني في إصرار وهو يبتسم :

- وائل .. فقط (وائل) .. أنا لسة صغير على أستاذ دي .

- ححاول أفتكر .. عموماً أنا كنت عايزة أشكرك على موقفك النبيل بتاع القلم ..

تجاهل (هو) كلامي ودخل إلى الموضوع الخاص به مباشرة :

- أول أمبارح في موظفة في البنك اسمها الأستاذة (مروة) اتصلت بي ، وقالت أن في بيانات شخصية في حسابي البنك عايز يراجع عليها .. وقالت لي أروح عند الآنسة (غادة) !!

- حضرتك تقصد (ميرفت) مش (مروة) ..

ابتسم مرة أخرى وقال:

- اسمها الحقيقي (مروة) مش (ميرفت) .

- معقولة ؟؟ إزاي بقى ؟؟ دي صاحبتي من أيام الجامعة ..

- عشان اسم (ميرفت) هو التحريف التركي لاسم (مروة) .. الأتراك مش بيعرفوا ينطقوا حرف (الواو) .. وينطقونه كحرف V الإنجليزي .. وأكيد سمعتي في الأفلام التاريخية العربية لما كانوا بيقولوا : أنت (فالد) خرسيس نرسيس .. (فالد) دي يعني (ولد) .. خرسيس نرسيس معنديش ليها أي فكرة .. بس عامة اي اسم عربي أخره حرف (التاء) .. أكيد أصله تركي .. زي عصمت (عصمة) .. حكمت (حكمة) .. حشمت (حشمة) .. مدحت (مدحة) .. دولت (دولة) .. وأكيد (ميرفت) يعني (مروة) ..

- واو .. أستاذ وائل أنا مش مصدقة كمية المعلومات الرهيبة دي كلها ..

- خلاص .. جربي تاني واحذفي كلمة أستاذ يمكن تصدقي ..

- لأ بجد ما شاء الله عليك .. واضح أنك مثقف أوي ..

- مممم .. يعني .. بس مش قوي ..

- برضة مش عارفة أشكرك أزاي على موقفك بتاع القلم .. أنت شهم فعلاً ..

- ولا شهم ولا حاجة .. أي حد كان أكيد حيعمل كدة .. عادي يا آنسة (غادة) ..

- غادة .

- افندم ؟؟

- هاها .

- هاها ََ!!

************************

غرفتي مرة أخرى ..

أسترجع ذكريات تلك اللحظات الثمينة مقياساً بعمري كله ..

لا أدري كم من الوقت تحادثنا معاً ..

في حياتي كلها لم أجري حديثاً سلساً كهذا .. حديث راقي بمعنى الكلمة ..

فجأة تذكرت شيئاً مهماً .. فأخذت محمولي من تحت وسادتي وقمت بطلب رقم معين ..

- ألو ؟

- أيوة يا (مروة) ..

- أيه يا (غادة) .. (مروة) مين ؟؟ أنا (ميرفت) يا حبيبتي .. أنتي طلبتيني غلط واللا أيه ؟

- سورى يا (ميرفت) معلش كنت سرحانة .. أزيك ؟

- الحمد لله كويسة .. أنتي أخبارك أيه ؟

- مبسوطة أوي يا (ميرفت) .. بجد مبسوطة أوي ..

- الحمد لله يا (غادة) .. أنتي بنت مؤدبة ومحترمة ومتدينة وتستاهلي كل خير ..

- ميرسى يا (ميرفت) .. بس أنا كنت عايزة أقول لك على حاجة بخصوص النهاردة .

- خير يا حبيبتي ؟

- (ميرفت) .. من كل قلبي بشكرك على اللي أنتي عملتيه علشاني ..

- آه .. قولي كدة بقى !! أي خدمة يا ستي .. بس أبقي أفتكري الجمايل .. هه ؟؟ افتكري .

- بجد شكراً .. جميلك ده مش حنساه أبداً ..

- أنا تحت أمرك في أي وقت ..

- معلش يا (ميرفت) .. أنا حقفل عشان أصلي العشاء .. وبعدين أقعد مع بابا وماما شوية .. بعدين حنام .. أشوفك بكرة ..

- أوك يا قمر .. تصبحي على خير مقدماً ..

- وأنتي من أهله يا أحلى (مروة) في الدنيا ..

- في أيه يا بنتي ؟؟ أنا أسمي (ميرفت) والله!! .. أنتي أيه اللي حصلك النهاردة ؟؟

- مفيش والله .. بعدين حبقى أقولك .

- ماشي .. لما نشوف أخرتها .. السلام عليكي ..

- وعليكي السلام ورحمة الله وبركاته ..

وائل ..

لاحظت أنه عندما يتحدث معي ، كان يركز عينه على عيني بعمق .. كأنه ينوي الغوص إلى روحي من خلالهما !!

كما لديه عادة جميلة جداً .. وهي الابتسام دائماً عند الاستماع للطرف الأخر .. والجدية أثناء التحدث .. كأنه يضيف الرزانة إلى صوته ..

صوته ؟ََ!

هل يضع هذا الشخص أوتار (كمان) في فمه ويلعب عليها بلسانه .. فيخرج هذا الصوت ؟؟

صوته هو !!

سأقول لكم عن إحساس تعبت وفشلت في تفسيره :

عندما جاء أخر مرة وجلس معي .. كنا نتكلم في مواضيع عامة بجانب العمل طبعاً .. ولكنه نظر في عيني ثبات غير عادي فجأة .. مما جعلني أقطع كلامي لأسأله :

- مالك يا وائل ؟!! في حاجة ؟؟

- تعرفي إن عينيكي مريحة جداً ؟؟.. وجميلة جداً جداً ؟؟

كان رد فعلي ببساطة هو : نظرت للأرض في خجل .. ونبتت بداخلي ألف نافورة من دماء الخجل سرت بداخلي بقوة شلال جامح .. وارتعشت أناملي من هول ذلك الطوفان الذي يسري بداخلي ..

وهنا بدأت أتخيل شيئاً غريباً :

وجدت أنامله (هو) تحمل ذقني في رفق .. وترفع رأسي عالياً بهدوء لمستوى وجهه .. لتتلاقى عينانا في لهفة .. شعرت بأن عيني (تسمع) مؤثرات صوتية مبهمة تصدر من عينه .. ونظرت حولي لأجد أن البنك بأكمله قد اختفي .. وحلت محله صحراء لا أول لها ولا أخر .. فنظر (هو) إلى يمينه في هدوء .. فوجدت بحراً يتجسد ويلد أمواجاً شقية ليملأ الأفق من حولي .. كدت أن أغلق عيني من ضوء الشمس الحارق .. فابتسم في حنان .. وأدار وجهه نحو الشمس وأشار لها برفق .. فتنازلت الشمس عن نورها وتحولت ببساطة إلى قمراً في أوج بدره .. ونظـرت أنا إلى السماء المظلمة في دهشة .. ثم نظرت له متسائلة عن غياب النجوم في السماء ؟؟ فقال بلهجة عميقة : (ابتسمي لي) .. وابتسمت له .. وفوجئت بآلاف النجوم تخرج من شفتاي وتهرب إلى السماء لتزينها بأناقة .. كل نجم قد عرف مكانه في بطن السماء ..

- غادة ؟؟

- ....

- غادة ؟؟ أنتي رحتي فين ؟؟

- (آحم) .. أاااه .. معلش يا وائل .. سرحت منك .. بالمناسبة أنا كنت عايزة أسألك سؤال .

- اتفضلي !

- فاكر لما جيت وسألت عن (تامر) أول مرة ؟؟

- أه طبعاً ..

- فاكر لما قلت لك أستنى للمرة التانية ؟

- أكيد .

- أنا شفتك وأنت قاعد تراقب كاميرات المراقبة وأجهزة الإنذار والحرس !! يا ترى كان ليه ؟؟

- سؤال لذيذ .. أقولك يا ستي : بما إننا في بنك .. وبما إن بلدكم يغلب عليها الطابع القروي .. فأنا لو كنت قعدت أبص حوليا .. كانت الناس حتفتكر أني ببص عليهم هم .. وأنتي عارفة بقى القرويين بيخافوا من الحسد .. عشان كدة أنا كنت بتلاشى النظر ليهم .. وركزت مع النظام الأمني بتاعكم ..

- بس كدة ؟؟

- أه .. بس كدة ؟؟

ثم مال إلى فجأة وقال في جدية ساخرة :

- طب أنتي عارفة إن حرس الأمن هنا معاهم مسدسات صوت ؟؟

- أيه ده ؟ بتهزر !! معقول ..

أغلق عينه وأومأ برأسه مبتسماً .. ثم أردف :

- يعني لو البنك ده اتعرض لسرقة .. حنسمع أحلى فرقعة ولا (البمب) بتاع رمضان .. هاهاهاهاها !

- هاهاهاهاهاهاها!!

************************

بدون مواربة ..

أنا أحببت هذا الشخص ..

أحب هذا الشخص ..

(هو) ..

وائل ..

أحببته بدون تعقيدات أو تحفظات ..

أحبه !!

ولكن :

منذ ذلك الحوار، لم أره إطلاقاً بعد ذلك ..

اختفى !!

لم يظهر ثانية لمدة شهرين ..

أين ذهب ؟؟

ماذا حدث له ؟؟

وما حدث لي أنا ؟؟

يقتلني القلق بلا رحمة كل لحظة ..

أريده أن يعود لي .. كي تعود نفسي إلي ..

أين أنت يا وائل ؟؟

أين أنت ؟؟

قل لي ماذا حدث ؟؟

لماذا يأتي إلى البنك زميل لك وليس أنت ؟؟

لماذا يرد على المحمول شخص أخر ليس أنت ؟؟

وائل ؟؟

لا تجعلني أندم على كل لحظة لم أصرخ فيها : (أحبك) وأنت معي ..

أعزائي زوار (عرين الغضب) ..

من فضلكم قولوا له بأني أحبه ..

قولوا له بأني سأنتظره دائماً ..

أكدوا له بأنه وحده دخل قلبي .. ولن يخرج منه .. ولن يدخل غيره قلبي ..

توسلوا له أن يعيد (غادة) التي بداخلي .. والتي أخذها مني ورحل ..

...

هناك 7 تعليقات:

محمود يقول...

بص يابنى انا مش عارف انا كنت بقرا فى مدونة وائل ولا مدونة غادة
كلامك وتصوريك لحالة الحب رهيبة انا حسيت انى قاعد فى السينما اللى اتفرجنا فيها على حين ميسرة وبتفرج على فيلم اغلى من حياتى بطولة غادة امين وائل ذو الفقار
بجد ياوائل دا احساس بقصة انت كتبها ولا دى رسالة اتبعتلك وانت نشرتها بس
ارجو التعليق
لفكرة فى واح صاحبى يعرف خالد يوسف هكلمه عليك

محمود يقول...

اية يابنى دا اية الحلاوة دى دا فيلم اغلى من حياتى ولا حبيبي دائما ولا اية بالظبط
انا حسيت انى بتفرج فى السينما على فليم وعيش القصة وتخليت الاشخاص والمكان والاحداث بجد تصوير رهيب بس دى قصة انت كتبتها ولا دى قصة انت سمعتها فانت بس مجرد نقلتها ارجو التعليق
اه لفكرة انا اعرف واحد صاحبى يعرف خالد يوسف لو حبيت ابئة قولى
لفكرة السينما كانت فاضية ارجو مزيد من الدعايا

محمود يقول...

اه لفكرة انت والبطلة فكرتونى
غادة امين و وائل ذو الفقار

ayar يقول...

يعجز لسانى عن وصف كم استمتاعى بالحالة .. ايا كانت لمين او امتى او فين .. اتمنى ان اكون غادة فى يوم من الايام و اقابل وائل .. وساعتها مش هافرط فيه ابدا ولن تنتهى كلمات شكرى لله .. وفعلا الادب والفن بيرقى الاحساس وبيخلينى اعيش فى دنيا جديدة وجميلة وفى اليوتوبيا بتاعتى .. الفن والادب والموسيقى هايكونوا محور الحياة !!!

aymanhandsa يقول...

الان ....
راجل الامن بتاع مسدس الصوت
ميرفت
الراجل العصبى
غادة
واخيرا وائل
(اصفق اصفق اصفق انصرف الناس وما زلت اصفق خجلت من وقوفهم امامى لاستمرار تحياتى )
شكرا وائل

زهرة تشرين يقول...

تصفيق حااار
ولكن ليس بهذا الحب يا غاادة
انه التأثر الشديد ضمن مؤثرات صنعها البطل وائل
وائل كنت هدافا مع غادة الطيبة


رائع يا عرين
مودة قلم

رقيه المنسي يقول...

الوصف لاقل التفاصيل
مثل نظره العين
حركه الحاجب
طريقه الكلام
ابتسامته اثناء الاستماع
جديته اثناء الكلام
هدوءه
كل دى تفاصيل ميلاحظهاش غير شخص بيحب فعلا
وميكتبهاش بدقه كده غير شخص بيحب فعلا
وائلارجع لغاده ولكل غاده مريت عليها
انت انسان يستحق السعاده
متقبلش اقل من السعاده
متتنازلش عن السعاده
دور بحياتك هتلاقى اكتر من غاده
مريت عليهم وطبعت ملامحك بوجوههم
اسعد يا وائل فانت تستحق هكذا غاده

تحياتى