9‏/3‏/2008

كأنه أنا ..



كان يا ما كان .. في سالف العصر والأوان ..

كان يوجد طفل أسمه (إيوان) ..

كان يعيش في قرية صغيرة تطل على النهر ..

(إيوان) كان طفل عادي .. مثله كمثل أي طفل في سنه ..

ولكن ..

كانت لديه مشكلة غريبة !!

كان كل أهالي القرية يكرهونه ..

بلا سبب ..

فقط يكرهونه !!

احتار عقل (إيوان) الصغير والذي أتم للتو عامه السادس في سبب كره الناس له !! ولكنه فشل ولم يعثر على سبب يبرر ذلك الكره من الناس !!

حتى أبويه كانا يكرهانه !!

سألهما : لماذا تكرهوني كلكم ؟؟ ماذا فعلت لكم ؟؟ أريحوني من هذا العذاب من فضلكم !!

رد عليه أبوه في أسف : لا أدري يا ولدي .. ولكنني بالفعل أكرهك ولا أطيق رؤية وجهك .. ربما ألقى عليك ساحر القرية تعويذة أو لعنة !!

قال الصغير في دهشة : ولكني أحبك يا أبي .. أحبك !!

أشاح والده بصره بعيداً عنه وقال : أنا أعلم ذلك يا (إيوان) .. ولكن ليس لي يداً في ذلك ، أنا أكرهك .. هذا ما أعرفه ومتيقن منه تماماً .. والآن أغرب عن وجهي .. فلا طاقة لي لرؤيتك أكثر من ذلك .. أذهب .

يرحل الصغير ولا يدير ظهره لأبيه ويقول : مهماً قلت لي يا أبي .. سأظل أحبك .. هل تسمعني يا أبي ؟؟ أحبك !

وخرج (إيوان) إلى القرية يحاول البحث عن صديق .. أو شخص يفهمه !!

إلا إنه إذا مر على مجلس قوم .. سخروا منه وتهكموا عليه بلا سبب ..

أحياناً كانوا يقذفونه بالحصى ليرحل عنهم ..

الآن (إيوان) يهرول خارج حدود القرية ..

لا يعرف وجهة معينة .. قدماه تحمل جسده إلى مكان مجهول ..

حتى توقفت قدماه عن السد الكبير الذي يحول ماء النهر عن قريته ..

جلس بجوار السد .. ونظر للأرض في بؤس ..

ثم فجأة بكى ..

وأخذ يبكي ويبكي ..

ويردد عالياً : لماذا ؟ ما الذي اقترفته ؟؟! لماذا تكرهوني ؟؟

لكن من سيسمع بكاء (إيوان) ؟؟

من سيشعر بأحزان (إيوان)؟؟

!!!

هنا نما إلى سمع (إيوان) صوت غريب !!

فأوقف بكاءه وأرهف سمعه ليستوعب طبيعة هذا الصوت !!

وقام من جلسته ليتتبع مصدره ..

وفوجئ (إيوان) بوجود شرخ في السد الحجري ، هذا السد يتسرب منه الماء في بطء .. لكن في إصرار وازدياد مطرد ..

ونظر (إيوان) إلى اتجاه سريان الماء المتسرب من الشرخ .. وعرف أنها تتوجه إلى قريته .. وفزع عندما تذكر أن مستوي قريته منخفض عن مستوى السد .. أي أن قريته ستغرق في ثوان عند تحطم هذا السد !!

عرف (إيوان) خطورة ما توصل إليه .. وجلس يفكر قليلاً ..

أخيراً جاءت فرصتي ..

سأذهب الآن إلى القرية وأحذرهم من تلك الكارثة .. لعلهم يحبوني .. ربما سيأخذني أبي في حضنه بفخر ..

وتخيل نفسه وهو في حضن أبيه الذي لم يقربه طول حياته ..

فهب فجأة من مكانه .. وهرع على القرية بقدميه الحافيتين الصغيرتين ..

وعندما وصل إلى القرية أخد يصرخ ويقول :

السد سينهار .. السد سينهار .. أنجوا بحياتكم .. السد سينهار ..

تجمع حوله الناس في استغراب .. ورأى أبوه يأتي من بعيد إلى مكان التجمع ..

فشد وقفته ونظر إلى عين أبيه وقال :

أبي .. السد سينهار .. لقد رأيت شرخاً فيه .. هيا بنا نهرب يا أبي ..

قالها وهو ينتظر ذلك الحضن من أبيه ، والذي طالما ظل يحلم به ..

إلا أن يد أبيه الخشنة هوت على خده في صفعة قاسية .. وملامح أبيه تزداد قسوة وهو يقول :

منذ ولدت أنت والنحس ظل يطاردنا .. غضبت علينا الآلهة بلا سبب .. انقطعت عنا الأمطار .. انتشرت الأمراض بيننا .. والآن تقول أن السد سينهار ؟؟ أذهب من هنا أيها الملعون .. أذهب ولا تعد أبداً .. وإذا عدت مرة أخرى سأقتلك بيدي هذه .. أذهب الآن ..

لم يفهم الصغير شيئاً .. ونظر إلى عيون الجمع لعله يجد تعاطفاً منهم .. إلا أنه وجدهم ينظرون له في سخرية .. وبدئوا في الاستهزاء به وبفعلته .. ويقلدونه وهو يصرخ قائلاً : السد سينهار ..

هنا أدار (إيوان) ظهره لأول مرة لأبيه .. وهرع مرة أخرى خارج القرية ..

وعاد مرة أخرى إلى مكان الشرخ في السد ..

نظر إلى الشرخ ووجده قد بدأ في الاتساع .. ثم تحسس خده ، في نفس مكان صفعة أبيه المؤلمة ..

ثم قال وبدأ الغضب يتصاعد في صوته الطفولي : حسناً .. دعهم يموتون .. دعهم يغرقون .. سيعرفون من هو الملعون ، هم أم أنا !! أذهب إليهم واقتلهم كلهم .. كلهم .. حتى أبي ..

وجلس بجوار السد ليعاود البكاء مرة أخرى ..

لكنه تذكر والده مرة وهو يبتسم .. وتذكر شقيقته الصغرى وهي تلعب معه في مرح ..

فوقف ومسح دموعه ..

وقرر أن ينقذ القرية من أجل ابتسامة أبيه .. ومن أجل أخته البريئة !!

فمد يده إلى الأرض ، وكور قبضته الصغيرة بالطين المبلول وحاول سد الشرخ بها ..

إلا أن السد لفظ الطين بسهولة .. وعاودت المياة في التسرب ..

والشرخ يزيد ويكبر ..

والمسكين لا يدري ماذا يفعل !!

فقرر أن يضع يده الصغيرة في الشرخ ..

بالفعل بدأ تسرب المياة يهدأ ..

وفي الجانب الأخر من السد .. تراكمت الصخور الصغير حول يد (إيوان) .. حتى سدت الشرخ تماماً ..

*************************

بعد شهر سألت الطفلة (إيومي) أبيها : أين ذهب أخي (إيوان) يا أبي ؟؟

رد الاب : لا أعرف يا صغيرتي .. من الأفضل ألا تسألي عليه مرة أخرى .. بل الأفضل أن تنسي ذلك الملعون تماماً ..

*************************

نعود الآن إلى السد ..

عند مكان الشرخ القديم ..

هل ترون ذلك الهيكل العظمي الصغير الملاصق للسد ؟؟

هذا الهيكل كان يوماً ملكاً لطفل يدعى (إيوان) ..

مات دون أن يهتم أحداً كيف عاش ..

أو حتى كيف مات في صمت ..

في الواقع لا أحد يعرف أنه مات أصلاً ..

وأن موته قد تسبب نجاتهم ..

فلترقد في آمان أيها الصغير ..

وعليك أن تعرف أن كل قطرة ماء سيشربها قومك قد مرت على عظام يدك لتقبلها في سمو ، ثم تستقر بعد ذلك في بطونهم ..

أسترح الآن أيها الصغير ..

استرح ..

هناك 18 تعليقًا:

محمود يقول...

ماشى ياعم ايوان
ياعم المضحى مش لازم الاسقاطات دى علشان تعرفنا نفسك
بس قولى هو ابو ايوان ده تعرفة عمتا هو راجل ابن .............
ولابلاش بس بعيد عن الاسقاط القصة جميلة لدرجة انى كنت هعيط وقلت خسارة كل نقطة مياه بيتفحوها العالم بتوع القرية دى

هند يقول...

صورة بمعان جميلة ، لكن التضحية لا تكون بفائدة الاّ لمن يستحقّها

عرين الغضب يقول...

محمود :
ليس كل ما يرد في مدونتي أضعه هنا تحت ستار الإسقاطات .. فلو أردت أن أسمي إيوان (وائل) ، لفعلتها ببساطة شديدة ..
أعترف أن قصة (إيوان) سيتأثر بها معظم من سيقرأونها .. وقد يفهم شخص واحد فقط المعنى الذي أقصده .. وقد لا يفهم على الإطلاق ..
عندها فقط يا صديقي يمكنك أن تدعوني (إيوان) بلا أي إسقاطات ..

بالنسبة لأهل القرية :
اعتقد أن أعظم مثال للتضحية هي أن تبادل من يكن الكرة بالحب ..
حتى وإن كرهك في العلن ..
وإن أحبتته في صمت ..
ثق تماماً بأنك أعظم من أعظم مضحي سمعت عنه ..

أتمنى أن تكون قد فهمت وجهت نظري يا محمود !!

وائل (وليس إيوان)

عرين الغضب يقول...

هند :

من قال يا عزيزتي أن التضحية هنا ذهبت هباءاً ؟

فقد فعلها لذكرى عابرة لابتسامة أبيه (وإن لم تكن موجهة له) ..
وإلى (أيومي) أخته .. التي تحدت غباء الكبار بطفولتها وبراءتها .. ولعبت معه ..
وهذا ما يكفيه لاتخاذ قراره المصيري ..

وهنا يأتي دورنا نحن الكبار العاقلين المتفتحين .. ماذا سنفعل من أجل غيرنا ؟؟
كيف سنضحي لغيرنا ؟؟
وبما سيضحي غيرنا من أجلنا ؟؟

أسئلة تستحق التفكير فيها ..

شكراً يا هند لقدومك هنا ..
وفي انتظار دوام تشريفك مرة أخرى ..

وائل ..

هند يقول...

العزيز وائل
يبدو أن موضوع التضحية يعني لك الكثير ( تعليقك أطول من القصّة يا رجل ! (:
أنا لم أقل أن التضحية هنا ذهبت هباء، فالملاحظة كانت تعميما. و قرار "ايوان" (ان كنت أدركت بعضا من معاني هذه القصّة_ فهمي على قدّي!)كان عن اقتناع بأن تلك الذكرى و لو كانت عابرة، تستحقّ منه أن يضحي في صمت.
لكن في المقابل لابدّ أن نقابل ( بحثت عن مرادف آخر لتجنّب التكرار فلم أجد!) تضحية كلّ ايوان بالعرفان. علينا أن نتعلّم ليس فقط كيف نضحّي بل أيضا كيف نستحقّ تضحيات الآخرين.
هذا دورنا كي لا تضيع تضحيات الآخرين هباء

عرين الغضب يقول...

عزيزتي هند :

فكرت معك في مرادف لكلمتك :
في المقابل لابد أن نقابل ..

فجاءت معي :
في المقابل (أحياناً) قد نبادل ..
ولا أدري هل يجوز هذا المعنى بالنسبة لكي أم لا ؟؟

على العموم .. ردك أوضح لي أنك فهمتي القصة ومضمونها .. تماماً كما قصدته أنا ..
وأرجوكي أن لا تقولي أبداً : فهمي على قدي .. فأنا أحترم فهمك كثيراً أيا عزيزتي .. وإلا ما رددت عليكي أساساً ..
تقبلي تحيات شخص يقدر فهمك كثيراً :
وائل ..

هند يقول...

و بذلك تصبح الجملة: "لكن في المقابل يجب أن نبادل تضحية كلّ ايوان بالعرفان.."
أشكرك...

ayar يقول...

احيانا يموت من يضحون فى صمت .. ولا يشعر بهم احد .. ويظل الجميع يهتفون للمنافقين .. فليحيا صناع الامة !!!!

عرين الغضب يقول...

العزيزة الثورجية الشقية الراديكالية / آيار :

أنا شامم في كلامك ريحة سياسة ..

أنا اعتزلت السياسة يا آيار ..

ومن مكاني هذا أعلن بأني أؤيد وأبايع ساحر القبيلة ..

ويحيا المنافقين ..

(وش قافل بقه بسوستة)

ayar يقول...

بعت القضية يا وائل .. عليه العوض!!!

عرين الغضب يقول...

آيار ..
للأسف القضية هي اللي بايعانا ..
بس إحنا مش حنبيع يا آيار ..

مش حنبيع أبداً ..

ده سبب رئيسي في وجودنا يا آيار ..

بلاش رئيسي دي برضه ..
خليها :

ده سبب أساسي في وجودنا ..


بس لما شاب حليوة ووسيم وفاتن زيي كدة لما يتجرجر من قفاه على أمن الدولة .. ويشرب سحلب عند الحكومة الكافرة ..
حيحاول يستحمل ..

إنما بنت شقية ولذيذة زيك كدة .. تفتكري إيه اللي ممكن يحصل ..

خليكي بعيد عن السكة دي يا يوري ..

بجد الموضوع قاسي .. ودول ناس ولاد ستين في سبعة وسبعين ..

فهمتي يا يوري ؟؟

عرفتي ليه قلت لك شيلي الصور من عندك ؟؟

وحنتكلم باستفاضة أكتر بعدين ..

بس مش حنبيع القضية يا آيار ..


عشان الموضوع مش سهل ..

الموضوع عمال يتحول من سيء لأسوأ ..

وأحنا قاعدين ساكتين ..
ويوم ما نتكلم .. أخرنا بنجعجع وخلاص ..


ولو بعت القضية ..
مين اللي حيشتري غيرنا؟؟

ولو بعناها .. حتكون كاش واللا قسط ؟؟
عشان انا مش حقبل الشكك ..

(وش عليه ابتسامة شريرة وبيغمز بعينه لآيار)

ayar يقول...

احنا بنجعجع والحكومة عارفة اننا بنجعجع .. وماشية بسياسة الكلاب تعوى والقافلة تسير مش من صورتين هايعتقلونى .. وبعدين وماله .. انا اصحابى اللى اتشدوا قالولى احناحسينا بفخر اكتر .. لاننا حسينا اننا صح وهما غلط .. وانهم بيعملوا حاجة غلط .. مدونتى نقطة فى بحر ياوائل .. ولو عرفت اعمل اكتر هاعمل ...
بس اللى اعمله لازم يكون مفيد مش مجرد جعجعة ..

aymanhandsa يقول...

بما ان دى اول مشاركاتى عندك فمش هطول عليك بس بجد القصة جميلة ...
بس اذا كان ايوان كمل ومهنش عليه بلده فى الف غيره مش فارقة نفسى كل ايوان يستحمل اللى حوليه وينقل اللى جواه زى ما بتعمل كده وان شاء الله يعلى الصوت لحد ما يهد السد بس مش اللى وراه الميه اللى وراه الصوت المحبوس هانت يا عم ولا انت مش شايف نور من هناك ...

عرين الغضب يقول...

عزيزي أيمن ..

عجبني جداً المعنى الوارد في ردك " السد اللي وراه صوت محبوس"

ياريت فعلاً يكون صوتنا أقوى من ألف سد .. وياريت أفعالنا أحنا تهد مليون سد ..

ياريت نكون عاملين زي المية يا أيمن .. كيان واحد متماسك .. مفيش نقطة مية تفرق عن نقطة مية ..
ولو نقطة مية صغيرة اتجمعت مع نقطة تانية .. بيكون شكلهم واحد .. بس حجمهم مضاعف ..
ياريت بجد كلنا نكون واحد ..

لعل وعسى ..
في الحالة دي إحنا ممكن نكسر جبال مش مجرد سد !!

إحنا عندنا حوالي 75 مليون نقطة مية يا أيمن .. بس مشتتين .. اللي في المجاري واللي في الشارع واللي الأبراج العالية .. واللي على الرصيف ..

بس برضه حاسس إن السد حيتفتت قريب بإذن الله ..

وإلا نقط المية حتتبخر في الهوا .. وربنا يستر ..

أسعدني ردك للغاية يا عزيزي أيمن ..

أتمنى دوام زيارتك ..

وائل عمر !

غير معرف يقول...

وائل هو انت رزكت فى الصوره بتاعه ايوان ديه ؟ديه شكلها هو اوى بس ركز فيها وبعدين هقولك تعليقى عليها بس عموما لو هتكلم هقول كلمه اصعب حاجه لحظه الفراق وهقولك تعلقى لما تتاملها انا قريت الموضوع قبل كده لكن مركزتش فى الصوره ؟

غير معرف يقول...

انا قريت القصه دى من سنتين تقريبا او اكتر
وبقالى شهر حسه انى عاوزه اقراها تانى ومش فكراها كل اللى كنت فكراه هو انها عن سد وطفل حزين ودورت عليها ووصلتلها وينتابنى الان نوبه هستيريه من البكاء ومعنديش سبب

وائل عمر يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
وائل عمر يقول...

إلى غير معرف:
جملة واحدة مني إليك :
اللعنة على كل الناس طالما يستحكم غباءهم على متنفسات سعادتنا ..
واللعنة علينا نحن إن سمحنا لهم بوأد سعادتنا ..
مات "إيوان" ولم يحتسبوه شهيداً ، ولن نسمح لأنفسنا بكوننا مجرد "إيوان" أخر في قرية الحياة !!
أعي كلماتي جيداً .. لأني أعي - قطعاً - من أنت .
تقدمي ..
وأدهسي بقدمك غباء الأخرين.
تحياتي ..
وائل عمر.