22‏/1‏/2008

(حين فوضى ؟) أم (هي ميسرة ؟؟)

شاهدت أمس فيلم (حين ميسرة) والذي أثيرت حوله ضجة إعلامية فريدة من نوعها في بلدنا المحروسة مؤخراً ! هذا الفيلم هو أخر أفلام المخرج (خالد يوسف) .. والكل يعلم أن (خالد يوسف) هو تلميذ المخرج (يوسف شاهين) ..

دعونا نتكلم عن يوسف شاهين أولاً .

كلنا يعلم بأن (يوسف شاهين) هو مخرج مشاغب من نوع خاص .. حيث أن معظم أفلامه لا تلقى قبولاً جماهيرياً في مصر والعالم العربي لصعوبة محتواها نوعاً ما ، لذلك فأن من يريد أن يدعي الثقافة وارتقاء مستواه الفكري والفني فأنه يقول (بصراحة يوسف شاهين هو مخرجي المفضل ، فأنا أعشق كل أفلامه!) .. وأشهر فيلم معروف ليوسف شاهين هو: (الناصر صلاح الدين) وإن كان لم يحقق الإيرادات المطلوبة وقت عرضه بل وتسبب في خسائر فادحة للمنتجته (آسيا داغر) .

مع إن يوسف شاهين مسيحي الديانة إلا أنه قدم صورة المحارب العربي المسلم في أكثر صورة مشرفة في تاريخ السينما العربية .. وأبرز علاقة المسلمين والمسيحيين وهم يحاربون في نفس الجيش ضد عدو صليبي (من منا ينسى دور عيسى العوام ؟) .. وبعد ذلك بفترة أصبح فيلم (الناصر صلاح الدين) مقرراً علينا في كل مناسبة وطنية (عيد تحرير سيناء ، ذكرى حرب أكتوبر ، ذكرى حرب العاشر من رمضان والتي هي نفسها حرب أكتوبر! ، عيد الشرطة ، عيد ميلاد رئيس الجمهورية ، عيد الثورة ، عيد القوات المسلحة ، عيد الجلاء ، عيد النصر ) !!

ومن ألذ إبداعات هذا الرجل فيلم (حدوتة مصرية) والذي يعتبر أغلي وأشهر وأطول سيرة ذاتيه (C.V) رأيتها في حياتي ، فهو يحكي قصة حياته من خلال رؤيته هو في قالب فنتازي جميل وقام الفنان (نور الشريف) بشخصية يوسف شاهين بما لها وما عليها بكل حياد ..

نكتفي من الاستزادة من بيوسف شاهين ..

وندخل على :

خالد يوسف ..

جاءني هاجس أحياناً بأن اسم خالد يوسف الكامل هو : خالد يوسف شاهين لكثرة ترابطهما معاً في أفلام كثيرة ، واكتفاء خالد بلقب (مساعد مخرج) !! وبعد ذلك انطلق خالد يوسف وحده يشق طريقه .. فكان له فيلم (جواز بقرار جمهوري) والذي اعتبره فيلم سياسي أفسده الكوميديا الذائدة .. وهو أول فيلم يتناول السياسة بقالب غير جدي .. وهو أول فيلم تظهر فيه صورة متحركة لرئيس الجمهورية من خلال جرافيك رديء الصنع ، وبشكل ما نجح الفيلم جماهيرياً ..

وفيلم أخر أذكره لخالد هو : (ويجا) .. ولن أدخل في تفاصيله لعدم انجذابي لمشاهدة الفيلم أساساً !!

ثم جاء فيلم (هي فوضى)

والذي يعتبر إعادة اتحاد بين الأستاذ وتلميذه لتسديد (ضربة على قفا التعتيم السياسي) .. فهذا الفيلم كان يناقش ما يحدث في ثنايا أقسام الشرطة المصرية .. وإبراز طبقة معينة من الضباط المتسيبين المستهترين بمشاعر وآدمية الحثالة العبيد الغوغاء والذي هم نحن المواطنين ، ويبرز أيضاً بأن مجرد أمين شرطة في قسم شرطة له صلاحيات مفتوحة داخل القسم وخارجه .. فكل ضباط القسم يعتمدون عليه في جلب مرتكبي الجرائم وعليه أن يحضر المتهمين أو المشبوه فيهم .. حتى ولو أضطر لأن يحضر ناساً أبرياء لكي يقوموا بدور المشبوه فيهم ، ثم ليقوموا بدور المتهمين ظلماً .. المهم والمهم فقط هو رضاء (الباشا) عليه فقط لا غير ..

قام العملاق (خالد صالح) بدور أمين الشرطة في الفيلم .. وجسد دور أمين الشرطة كما يجب أن يكون ، ببطشه وسخافته وثقل دمه ولزاجته ونرجسيته ووصوليته .. وهي السمات المعتادة لـ 98% من أفراد الداخلية عامة ..

وناقش الفيلم الأبعاد النفسية لذلك الشرطي .. فجسدوا تفكيره العاطفي الجنسي الساذج تجاه أبنه الجيران (منه شلبي) .. ويبرز تحول أمين شرطة من وحش بلطجي أرعن إلى طفل ساذج أرعن أيضاً أما بنت الجيران .. فيحاول بشتى الطرق أن يستميلها إليه بطرق تبدو تافهة من وجهة نظر طفل في المرحلة الإعدادية .. ولكنه يحاول ويحاول .. ويفشل ويفشل .. إلى أن يضطر لاغتصابها عنوة (ولا أريد أن أحرق الفيلم أكثر من ذلك) ..

ويأتي فيلم (هي فوضى) في وقت غليان واحتقان شعبي ضد الحكومة المصرية ووزارة الداخلية بعدما تم فضح تعذيب ضباط شرطة لمتهمين وأبرياء بوسائل وحشية وغريبة عن مجتمعنا المسالم نوعاً ما!!

وأشهر قضية معروفة حتى الآن هي قضية (إسلام وعماد) .. وتتخلص بأن قام ضابط شاب اسمه (إسلام نبيه) ومعاونيه بإدخال عصا في دبر (مؤخرة) مواطن يدعى (عماد الكبير) والأخير يصرخ ألما وتضرعاً !! وتم تصوير هذه الواقعة ونشرها بكثرة على أجهزة المحمول والمدونات ( أضغط هنا إذا لم تكن شاهدت فيديو التعذيب ، ولكني أحذرك عن بشاعة الفيديو ووجود ألفاظ نابية! ) .. والمثير للدهشة بأن (إسلام نبيه) هذا لم يتخطى الثلاثون عاماً بأي حال ، فكيف أتي بهذه الوحشية والتي لا توجد حتى عند الحيوانات الضارية؟؟

قام يوسف شاهين وخالد يوسف بالتبحر في دهاليز السياسة الحاكمة للبلد .. ووضع نقط على حروف نتعمد تخطيها حكومة وشعباً .. وقال صراحة : ليس الشعب غوغاء وليست الحكومة ملائكة مجنحة !! بل قاما في هذا الفيلم بإضحاك الشعب على مهازل الحكومة ، ولن أنسى أبداً المقاطع التي كان يقهقه في رواد السينما بهستريا على تخلف وجهل ضباط الشرطة الأوغاد ..

أتمنى أن تستمر أفلام من هذه النوعية (في ظل السياسة الحكيمة والرشيدة لرئيسنا القائد محمد حسني مبارك )

في كلام غريب بين القوسين !! من اللي كتبه ؟؟

حين ميسرة !!

أنه السكينة الحادة التي اخترقت الكريمة البيضاء المفروشة على سطح كعكة شهية لتخرج منها ملوثة بفضلات كريهة اللون والرائحة !

في هدا الفيلم دهشت من احتمال وجود مساكن شعبية عشوائية بهذه الطريقة الصعبة ، ببساطة أماكن العيش لا تصلح أن تكون (عشش) لتربية الدواجن .. أماكن فقيرة جداً جداً !! وفيها يسكن ناس فقراء للغاية يعشون على أحلام لا احتمال لها أن تتحقق في يوم من الأيام .. وبأي شكل !!

الناس نفسهم يبدوا كأنهم ليسوا من جنسنا أو يتكلمون لغتنا .. فلغتهم منغلقة قد تبدو مضحكة وغير مفهومة بعض الأحيان !! وطريقة حلهم للمشاكل الأسرية العادية تبدو غريبة أيضاً علينا .. حتى السباب عندهم عادي جداً ولا يلاقى حرج أو حتى حياء !!

ولن أدخل في تفاصيل قصة هذا الفيلم أيضاً ..

بل سأذكر محاوره الأساسية دون الخوض في قصته !!

الفقر : أقصى درجات الفقر ممكن تخيلها .. فئة من الناس اختفت من حولهم معاني للراحة والرفاهية المعتادة للطبقة الوسطى فما فوق .. فبدؤوا بابتكار متعتهم الخاصة على قدر أمكانتهم المعدومة .. سواء كانت مقبولة من غيرهم أم لا ..

الجنس : عامل أساسي أخر واضح في هذا الفيلم .. هنا الجنس عبارة عن متعة فقط .. غاية وليست وسيلة .. ليس مهم أن يكون حلالاً أو حراماً .. المهم وجوده فقط .. ويركز الفيلم على أنه من الممكن أن يتبدل مصير أفراد شتى من خلال علاقة جنسية غير محسوب أبعادها .. ودهشت من جراءة خالد يوسف في تصوير المشاهد التي تعبر عن الجنس وإن لم يكن فيها عري بين وصريح .. ويؤخذ على خالد يوسف عدم وضع عبارة : (للكبار فقط) على أفيش الفيلم .. توجد مشاهد غير مستحبة لمن هم دون الثامنة عشر عاماً ، وأيضاً الأشخاص المحافظون .. ولذلك أحذركم هنا بالنيابة عن خالد يوسف : الفيلم للكبار فقط .

المبادئ : في هذا المجتمع .. ليس للمبادئ مفهوم معين وثابت .. مما يسهل تغييره من حين إلى أخر !! ولكي تفهموا قصدي ، شاهدوا الفيلم !

السياسة : في بعض المشاهد يسخر الفيلم من النظام الحاكم .. ويوضح تصور الطبقات الفقيرة ممن يحكمهم .. ولكن بدون تعبير مباشر عن ذلك .. ومن الممكن السكوت أحيانا عن التجاوزات .. ولكن في داخلهم ألف بركان يغلي ويغلي .. وانفجاره قادم قريباً .. فاحذروا أيهما الحكام !!

الشرطة : مرة أخرى يتوغل خالد يوسف في هذا الفيلم داخل نفسيه الضباط .. ولكن بطريقة أخرى هنا .. فعندهم أبناء الطبقة الفقيرة هم مجرد سفلة لا كرامة لهم .. فمن الممكن أن تهاجم الشرطة (عشش) تلك الطبقة دون استئذان في أي وقت حتى ولو كان في ساعات الفجر .. دون مراعاة لحرمة البيت أو من بداخله .. ويتناول أيضاً مشاهد التعذيب والضغط النفسي الرهيب الذي يمارس على شهود وليس متهمين لمجرد معرفة معلومة منهم قد تساعد في القبض على مجرم أخر ..

الجهل : تكلمت عن ناس يسكنون في (عشش) ولا مبادئ معينة لديهم ومضطهدون من كل الطبقات الأخرى .. فلا تتوقع أن تجد بينهم شخصاً ما خريج كلية فنون جميلة .. أليس كذلك؟

الجريمة : حدوثها في هده الطبقة أسهل من بلع المرء لريقه : قتل ، بلطجة ، زنا ، سرقة ، تعاطي واتجار مخدرات ، حمل سفاح ، تطرف ديني .. أنت أمام كوكتيل من الجرائم سخي لا ينضب !!

باختصار :

(حين ميسرة) هو فيلم وثائقي عن طبقات منسية ونستمر في نسيانها في مجتمعنا المنغلق .. إلى أن يأتي وقتاً ما يحدث فيه شيئاً ما .. فاحترسوا ..

خالد يوسف : ذلك الشقي المشاغب الذي يلقى بتورتة دسمة في وجهك وهو يبتسم .. فترد أنت الابتسامة له وتشكره على أنه لم يلوث ثيابك أيضاً بتلك التورتة !!!

شيء واحد جعلني سعيداً طوال عرض الفيلم : هو أني كنت متفرج وليس شخصاً من أفراد قصته ..

فالحمد لله على كل حال !!

هناك 3 تعليقات:

ayar يقول...

اه يا وائل .. بس انت نسيت النهاية .. النهاية جت مفتعلة اوى فى رايي .. او زى ماتقول كدا فنتازية جدا .. لان الحل مش هو اننا نفجر العشوائيات باللى فيها - حتى وان كنا اخلينا بعض سكانها - دى نهاية رمزية اوى وكنت اتمنى نهاية عملية .. او حتى نهاية مفتوحة .. ومدام كمخرج قدمت حل .. يبقى تقدمه منطقى او بلاش تقدمه اصلا ..

طلعت من الفيلم عندى اذبهلال وحمدت ربنا زيك انى مش جزء من القصة لانى كنت هافجرهم وافجر نفسى بدل خالد يوسف

فيلم جواز بقرار جمهورى عرى مصر اوى ومنساش ابدا:
" احلامهم البريئة بتجرى ورا الثراب وتموت وسط الضباب .. ولا زرعت مرة شجرة .. ولا فتحت مرة باب ..
احلامهم البريئة احساس بين الصدور.. وكلام بين السطور ..بركان مخنوق فى صمته لكن ممكن يثور "
اغنية النهاية للرائع مدحت صالح ..

ومش هاتستغرب طبعا لما اقولك ان دمعتى هى النهاية الطبيعية لكل مرة بتفرج فيها على الفيلم دا - اللى انت بتقول ان كثرة الكوميديا فيه ظلمته -

عرين الغضب يقول...

تعليقك عايزة مناقشة ومحاورة طويلة .. خلينا نتناقش فيه واحنا في الرحلة .

ayar يقول...

(نفس الوش المنتظر اللى فى تعليق سابق)